أهلا وسهلا

مرحبا بكم في هذه المدونة

الأربعاء، 17 ديسمبر 2008

الكتابة النسائية





الكتابة النسائية



أسئلة كثيرة طرحت حول موضوع" الكتابة النسائية" . هل المقصود بها كل ما تكتب المرأة حول معيشها اليومي في تناقضاته و خصوصياته ؟ هل معنى" الكتابة النسائية" استصدار قانون للكتابة جديد في لغته و أسلوبه في مواجهة الكتابة الذكورية ؟ وهل تجوز مثل هذه القسمة في الأدب ؟ هل الاصطلاح على الكتابة ب "النسائية " معناه أنها ذات منحى نسوي ، كما ظهر في الغرب ، أي الذي ينتصر للمرأة و للمرأة فقط؟
كيف عالج النقد ظهور" الكتابة النسائية " وكيف تعامل مع هذه اللغة الوافدة على عالم الكتابة كما تعارف عليها الرجال ؟ لماذا حوربت المرأة/ الكاتبة ؟ و لماذا وصفت كتاباتها بأنها ضعيفة لغويا ، ومرتبطة بالإنجاب والحب و الرجل ، والعالم الصغير للمرأة ، ولم تتمكن من طرح المواضيع والقضايا الكبرى ؟ كيف تتميز وتختلف الكتابة النسائية من كاتبة إلى أخرى عبر العالم ؟ وهل الكتابة النسائية في الغرب و أمريكا و الصين و اليابان و إفريقيا لها ما يجمعها بالكتابة النسائية في العالم العربي ؟ إنها أسئلة كثيرة سنجيب على بعضها نظرا لضيق المقام، وقد نعود للأخرى في مناسبة قادمة.
























الكتابة و الممانعة.......و ثقافة الوهم


يعتبر الناقد السعودي عبد الله محمد الغذامي ، من النقاد القلائل جدا ، الذين اشتغلوا بكل جدية وموضوعية على " خطاب المرأة ". ويكاد ينفرد بأسلوبه في قراءة التاريخ ، و استحضاره لفهم الظروف و الملابسات المحيطة بالمنع الممنهج عبر التاريخ و الذي مورس على المرأة لمنعها من ولوج عالم الكتابة ، و مزاحمة الرجال على مملكة اللغة التي حصنت ضد أي دخيل لا ينتمي إلى نفس الجنس .ومن هؤلاء يذكر الغذ امي خير الدين نعمان بن أبي الثناء الذي صاغ قانونا لمنع النساء من الكتابة ، ضمنه ثنايا كتابه المعنون ب" الإصابة في منع النساء من الكتابة "، حيث أوصى قائلا: ( أما تعليم النساء القراءة و الكتابة فأعوذ بالله ، إذ لا أرى شيئا أضر منه بهن ، فإنهن لما كن مجبولات على الغدر كان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الشر و الفساد .و أما الكتابة فأول ما تقدر المرأة على تأليف الكلام بها فإنه يكون رسالة إلى زيد و رقعة إلى عمر ، وبيتا من الشعر إلى عزب ، وشيئا إلى رجل آخر . فمثل النساء و الكتب و الكتابة، كمثل شرير سفيه تهدي إليه سيفا أو سكير تعطيه زجاجة خمر فاللبيب من الرجال من ترك زوجته في حالة من الجهل و العمى فهو أصلح لهن وأنفع ) . إنه كلام يحصن المحصن، و يدفع الخطر عن مملكة الرجل اللغوية.

ويلتقي فكر خير الدين نعمان مع فكر الجاحظ في اعتبار الكتابة عند المرأة،إنما هي وسيلة جنسية تفتح علاقات العشق . وهو لايسميها "كتابة " بل"مكاتبة" . أما" الكتابة " فهي للرجل وهي تزيده قيمة و شرفا. ولا يخرج الفرزدق عن هذا الخط ، بل يزيد من تقوية هذا النسق الثقافي الفحولي الذي يلغي الصوت الآخر ؛ وهو القائل في امرأة قالت شعرا :" إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها " .
و يضع عبد الله الغذامي مقاربات حول المرأة والجسد واللغة ، من خلال ما سماه ب "ثقافة الوهم " ، أي ثقافة ذاك النسق الذي يلغي الآخر / الأنثى ، ويعتبرها جسدا غير فاعل بل مفعول به .فإذا كان الجسد المذكر يمثل اللغة والتاريخ ، فإن الجسد المؤنث في النسق الثقافي الفحولي حسب الغذامي هو قيمة ذهنية معلقة في فضاء اللغة وفضاء التاريخ يقول الغذ امي بهذا الخصوص :" ولكي نتصور هذه المفارقة فلنتذكر صور الأنثى من حيث هي نماذج كلية ، ولنأخذ نماذج المرأة في العصر الجاهلي :
1-الموءودة
2-المعشوقة
3-الصنم المعبود


فالموءودة تقتل قبل أن تتكلم وتأتي بالتالي بالعار . والصنم المعبود كمناه و لعزى و اللات هي كائنات خرساء لا تنطق ولا تفعل ؛ وتتمظهر المعشوقة من خلال ليلى وعزة وبثنية كائنات هلامية لايسمع لهن صوت ولا وجود فاعل لهن ، لأن اللغة لم تردهن للكلام و إنما أرادت سكوتهن وتعليقهن في سماء الخيال المجنح"(ص 39 /ثقافة الوهم)









الأنثى الإرهابية و قبيلة الإناث


ليست كل أنثى" إرهابية " لكنها كذلك كل من تجرأت على مؤسسة الفحول و حاولت أخذ( بالقوة ) ما ليس من حقها وهي اللغة .
اللغة إذن خط أحمر ، وكل محاولة لتجاوزه تعرض الأنثى لأشد العقوبات. وكل من تخول لها نفسها استعمال لغة الفحول فهي بالتأكيد حمقاء؛ وهذا ما حدث مع امرأة اسمها جهيزة يقال إنها دخلت على محفل يصطخب بالخطباء والمتحدثين حول أمر مقتل أحد أفراد العشيرة وبينما هم في خطب وعصب فجرت جهيزة لسانها المؤنث ، وأبلغت الجميع أن القاتل قد لاقى مصيره وقتل . وهنا سكت الجميع .وجاء المثل الرائع "قطعت جهيزة قول كل خطيب" ، ولا عيب في هذا المثل سوى أن بطلته أنثى ؛ وفسر الميداني صاحب مجمع الأمثال هذا المثل حيث قال عنه إنه يطلق دليلا على حماقة المرأة(عبد الله الغذ ا مي/ ثقافة الوهم ).


اللغة والجسد:
لقد رسخ النسق الثقافي العربي (منذ الأزل) في العقول و العقليات أن اللغة هي مملكة الرجل و محميته ، وأن العقل واللغة هما الحسنين و قد اجتمعا في الرجل . أما الأنثى فهي مجرد جسد يستقبل هذه اللغة ، ولا يفعل فيها ؛ لأنه جسد" فارغ " من "العقل" ، وينبغي أن يظل كذلك إذا أراد أن يحظى بالجمالية ، وبالحسن والبهاء . وعلى الأنثى أن تكتفي بقول ما هو طريف من أخبار ونكات و دعابات تماما كما كانت تفعل الجواري ، حيث يزداد ثمنها عند البيع كلما كانت حافظة للأخبار والمرويات و غيرها من عناصر الثقافة ، التي تؤنس بها مجمع الرجال و مؤسستهم . ولا بد بالإضافة إلى ذلك أن يكون الجسد ممشوقا و جميلا. وقد عملت اللغة الفحولية على كشف تضاريس الجسد الأنثوي وتجريب مختلف الأصناف البلاغية والمجازية من اجل اختبار قدراتها ومناطق الضعف والقوة فيها . وقد أكد الجاحظ ذلك في رسائله " ومن يشك أن عين المرأة الحسناء أحسن من عين البقرة وأن جيدها أحسن من جيد الظبية ن والأمر فيما بينهما متفاوت .لكنهم لو لم يفعلوا هذا وشبهه لم تظهر بلاغتهم و فطنتهم ".

وحافظ على نفس النسق الثقافي بعد مئات السنين نزار قباني الذي ورثه ، وحافظ على الأمانة في اتخاذ جسد المرأة مطية للتجريب اللغوي ، و أنها من دونه لا قيمة لها :


ليس لك زمان حقيقي خارج لهفتي
أنا زمانك
ليس لك أبعا د واضحة
أنا أبعادك كلها (ديوان مائة رسالة حب)

وأنها جسد بلا لغة، وحده جسدها الذي يجب أن يفعل "يتكلم" لغة أخرى غير اللغة الأبجدية:

كنت يا سيدتي خرساء قبلي
و بفضلي
صار نهداك يجيدان الكلام (ديوان كتاب الحب)
وعليها أن تشكر "الشعر" لغة وقلعة الرجل لأنها بفضله أصبح لها ذكرا :

اشكري الشعر كثيرا
أنت لولا الشعر ، يا سيد تي
لم يكن اسمك مذكورا
بتا ريخ النساء

بل إن النسق الثقافي على امتداد قرون حافظ على نفس النظرة ، و دافع عنها عبر الأجيال ، واستمر في دعم نفس البنية الدلالية . ولنأخذ كمثال على ذلك الفئة العمرية ما بين الرجل والمرأة . فإذا كان بن عبد ربه يقرر أن" آخر عمر الرجل خير من أوله ، يتوب حلمه ، وتثقل حصاته ، وتحمد سريرته ، وتكمل تجاربه . وآخر عمر المرأة شر من أوله ، يذهب جمالها و يذرب لسانها وتعقم رحمها (طبائع النساء) فإن الابن البار نزار قباني حافظ على نفس التوصيف ، وباركه ، وأضاف إليه أبياتا شعرية ، ليشكل النثر والشعر معا شهادة رمزية حول جسد المرأة الذي يفنى بسرعة ولا يبقى من بريق أنوثته سوى بضع سنوات ،إذا انقضت بانقضاء شبابها لم يلتفت إليها أحد :


فغدا شبابك بنطفي مثل الشعاع المضمر
وغدا سيدوي النهد والشفتان منك فأقدمي
وتفكري بمصير نهدك بعد موت الموسم

وهكذا يتفنن النسق الثقافي في تشكيل لغته الرافضة للآخرين ، خصوصا" النسق الشعري " هذا النسق الذي نجده في خطاب الشعر القديم منه والحديث ، التقليدي والتجديدي . نجده عند الفرزدق وجرير ، وأبي تمام والمتنبي ، مثلما نجده عند نزار قباني وأدو نيس .بل إننا نجده في الخطاب العقلاني كما هو في الخطاب الشعري و الخطاب السياسي و الإعلامي "( الغذامي /النقد الثقافي) .

لقدساهم الشعر في انتقال هذا النسق إلى أن شمل كافة نواحي الحياة العامة و الثقافية و طرق التفكير و السلوكيات، حيث تشكلت فحولة القبيلة من خلال البطش والظلم كقول عمرو بن كلثوم :


بغاة ظالمينا وما ظلمنا****وكنا سنبدأ ظالمينا
ونحن الحاكمون إذا اطعنا****ونحن العازمون إذا عصينا
ألا لا يجهلن أحد علينا****فنجهل فوق جهل ا لجاهلينا

ويضخم المتنبي "الأنا " ويقول :
وإني أنا النجم تهتدي بي صحبتي***إذا حال من دون النجوم سحاب


يرصد إذن عبد الله الغذامي هوية اللغة النسقية موضحا أن "الجملة النسقية هي إياها يحملها لنا ويغرسها فينا النسق الشعري المهيمن و المشعرن لكل سماتنا الشخصية الثقافية (......) كما أن صفة الآخرين المتعالي عليهم تشمل كل من هو خارج الطبقة، وأدنى الجميع هو الأنثى.و يجري دائما تحقير الأنوثة وهو معنى نسقي جوهري "(الغذامي / النقد الثقافي).



100 عام من الرواية النسائية العربية



تحت هذا العنوان كتبت بثنية شعبان كتابها( الصادر سنة 1999) الذي رصدت فيه فترة زمنية مهمة من الكتابة عند المرأة على امتداد 100عام، حيث رصدت ظهور الرواية العربية على يد كاتبات لبنانيات منذ 1899حين نشرت زينب فواز روايتها الأولى" حسن "العواقب".بعدها أصدرت لبيبة هاشم روايتها "قلب الرجل" سنة 1904؛ مع التذكير بأن النقاد اتفقوا على أن أول رواية عربية ظهرت كانت لمحمد حسين هيكل تحت عنوان "زينب" باعتبارها أول رواية في الأدب العربي.

وقد لاحظت الكاتبة أن عبارة" امرأة عربية كاتبة" لاتحمل تشجيعا للمرأة في العالم العربي ؛ بل حتى بين الكاتبات العربيات أنفسهن: " والسبب الرئيسي هو أن مفهوم هذه العبارة يتضمن تمييزا ضد الكاتبات النساء يتجاوز بالضرورة الظلم الاجتماعي ، الذي تتعرض له النساء في الحقل الأدبي .ولذلك فإن الكاتبات عبر العالم العربي كن طوال عقود متحمسات لرفض تصنيفهن بأنهن كاتبات نساء .مفضلات أن يوصفن ببساطة بأنهن "كاتبات" على أمل أن ينلن بهذا معالجة أكثر جدية وموضوعية لنصوصهن"(100 عام من الرواية النسائية). وترى بثينة شعبان بأن النقاد العرب يتحملون جزءا من المسؤولية في هذا الشعور اليائس لدى المرأة الكاتبة ، لأنهم يتعاملون مع الأعمال التي كتبتها النساء بأحكام مسبقة واصفين هذه الأعمال بأنها عبارة عن سير ذاتية تعالج موضوع الحب والزواج والأطفال أو الحرمان منها .وبالتالي فإن هذه الاهتمامات لا علاقة لها باهتمامات الجمهور .وهم يقصدون بالجمهور ، جمهور الذكور .ولهذا انزلقت معظم الكاتبات نحو تبني( بدافع الخوف) اختيار بطل ذكر لرواياتهن بدل بطلة امرأة : "وذلك كي يضفين على روايتهن خبرة اجتماعية أعمق وأوسع ، وكأن النساء لايمكن أن يمتلكن مثل هذه الخبرة . ويمثل هذا الموقف أعلى درجات الاستلاب، لأن المرأة الكاتبة في هذه الحالة تروج بصورة غير متعمدة لاستلابها وتدني منزلتها"(100 عام من الرواية العربية).
وقد اعترفت لطيفة الزيات،في السنوات الماضية بأن سبب رفضها تعريف نفسها بأنها امرأة كاتبة و اعتناقها علنا لقضايا النساء كان الخوف من تصنيفها على أنها كاتبة من الدرجة الثانية .لكن الخلاصة التي توصلت إليها بثينة شعبان بعد جمعها لكم هائل من الروايات التي كتبت من طرف نساء هي" أن مواضيع الروايات التي ناقشتها في هذا الكتاب ، ترسخ حقيقة هامة جدا يجب تذكرها دائما عند البدء في دراسة أعمال النساء ، وهي انه من الخرافة اعتبار أن اهتمامات النساء منحصرة في الأسرة والحياة المنزلية. و الحقيقة أن النساء العربيات في الروايات المدروسة هنا يعبرن عن وجهات اجتماعية وأخلاقية وسياسية مختلفة جدا عن التي كتب عنها الرجل "(100عام من الرواية النسائية).


ركزت بثينة شعبان في كتابها على عناصر مهمة ،منها: تهميش الكتابات النسائية و رفض النقاد لمصطلح " أدب نسائي" في مقابل أدب رجالي ، راصدة البدايات الأولى للروائيات العربيات وبحثهن عن المساواة من خلال ما يكتبن .يظهر ذلك من خلال العناوين التي تختارها الكاتبات لرواياتهن ، والتي من خلالها يعلن هذه الرغبة في الإصلاح و التغيير ؛مثل "الجامحة" لأمينة السعيد ،و" كفاح امرأة" لكاترين معلوف داغر ، و" إصلاح" لعزيزة الإبراشي و" مذكرات زائفة" لفتحيه محمود الباتع و" عام الفيل" لليلى أبو زيد و" أنا أحيا"لليلى بعلبكي.................
لقد رصدت بثينة شعبان في كتابها انشغال الكاتبة العربية بأمور الأمة العربية و أزماتها ، خصوصا مابين 1960و1967 حيث وصفت ما يطرأ على المجتمع العربي من تغيرات اجتماعية وسياسية من وجهة نظر مغايرة للتيار السائد، وهو نفس التيار الذي مارس عليها فعل الممانعة و الاضطهاد والقمع . نذكر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر : "الباب المفتوح"للطيفة الزيات(مصر) و" ثلوج تحت الشمس" لليلى اليافي( سورية) و"فتاة تافهة"لمنى جبور (لبنان)و"كفاح امرأة" لكاترين معلوف داغر (لبنان) و" ليلة واحدة"لكوليت خوري (سورية) و" نهاية عابرة" لحياة بيطار (لبنان) و"طيور أيلول"لإميلي نصر الله(لبنان) .وشكلت حرب 1967 منعطفا آخر في الكتابة عند المرأة حيث تعاطت مع تداعيات حرب67 من وجهة نظر مختلفة عن تلك التي تعاط معها الرجل ، خصوصا على مستوى تفاعلات الأقلام مع هذه الحرب .ففي الوقت الذي سمى الرجل نتيجة الحرب ب"النكسة" سمتها المرأة ب "الهزيمة" "، حيث أعطت للأشياء مسمياتها الحقيقية.صحيح أنها لم تشارك في الحروب، ولكنها عالجت عن قرب الوقع المرير للحروب التي عرفتها البلاد العربية على امتداد سنوات.ومن بين من كتب في الموضوع تذكر بثينة شعبان : "دمشق يا بسمة الحزن" لألفت الإدلبي (سورية) و" عصافير الفجر" لليلى عسيران (لبنان)و" الدوامة" لقمر كيلاني(سورية)و" وداع مع الأصيل" لفتحية الباتع(فلسطين) و"تشرق غربا" ليلى الأطرش (الأردن)و" سأمر على الأحزان " لبلقيس الحوماني(لبنان) و" ليلة المليار" لغادة السمان(سورية).وفي نهاية دراستها خلصت بثينة شعبان إلى أن هذه الدراسة أثبتت بما لايقبل الشك "أن المرأة العربية هي أول من كتب الرواية ، وفتحت الباب على مصراعيه لكاتبات وكتاب المستقبل ، وقد تطور هذا الفن مع تطور قدرات المرأة على الكتابة و الإبداع .وخلال مسيرة قرن من الزمن عايشت الروائيات العربيات بعمق وشفافية الهموم الاجتماعية والسياسية العربية "(100 عام من الرواية النسائية).







اللغة و المجتمع في السرد النسائي العربي
(الحقل المعجمي والبعد التواصلي)


لم يتعاط النقد الأدبي بشكل مكثف مع اللغة وأبعادها الدلالية من خلال دراسته للسرد النسائي، إلا ما نذر، كما أنها لم تحط بشكل كاف بخبايا العلاقة بين اللغة والمجتمع في بعدها المعجمي وفعلها التواصلي.

يكتسي الحقل المعجمي أهمية كبرى في الدراسة الأدبية و اللسانية ،و أهمية خاصة في السرد النسائي.لأن الدراسة المعجمية تضيء مناطق الظل في اللغة أي الجزء الأكبر من العالم الذهني. ويؤكد بلوخ و لوسيان فيبر على أهمية الدراسة المعجمية على مستوى دلالة الحقول والكلمات المفاتيح.
وتحتل المعجمية كما يقول "ماطو ري" وضعية خاصة، ذلك أننا نجد أنفسنا في كل العلوم التواصلية خاصة في علم اللغة وفي المعجمية أمام مشكل مزدوج: مشكل الشكل ومشكل المعنى. ولا بأس من التنبيه إلى ما تقدمه نظريات التواصل في هذا المجال ، فاللسان يشبه علامات الطريق ، ومختلف مظاهر الحياة الاجتماعية ، يشتغل كنسق دلالي و كنظام رمزي ،يبعثه مرسل معين و يفك شفرته المرسل إليه ، وبالتالي فالرسالة تفسر على أكثر من شكل .
من هنا أهمية دراسة الخاصية الاجتماعية للمفردات عند الكاتبات العربيات لأنها تساعد أكثر على تحليل اللغة و الأسلوب . ونستحضر هنا على سبيل الذكر لا الحصر نماذج من معاناة الذات الساردة /الكاتبة مع لفظة من قبيل "أنثى" التي تؤثث الفضاء السردي عند عدد مهم من الكاتبات ،ومنهن نذكر الكاتبة اللبنانية إلهام منصور من خلال روايتها" حين كنت رجلا" حيث تتخبط" الأنثى" مابين حالات تأنيب وتعذيب للذات" الأنثى" وبين تعنيفها على مستوى بعض رموز هذه "الأنوثة دون معرفة الأسباب المقنعة ولا المبررات ، إذ تكتفي" الأنثى "بترديد عبارات : "لبتني لم أولد أنثى " و" لعن الله اليوم الذي ولدت فيه أنثى". و إذا كانت المرأة تنطلق من جسدها المنبوذ والمقهور ، والذي يؤشر على الدونية ، وعلى الاختلاف ،فإن لغتها تأتي حتما مختلفة عن تلك التي يكتب بها الرجل .

وبالتالي ليس من العسير – كما يقول الناقد حميد لحمداني- "أن نفسر لماذا تمحور المرأة العربية كتابتها حول ذاتها ، ذلك أنه في الوقت الذي تكون فيه هويتها موضع تساؤل من طرفها فإنها ستبقى على الدوام مشغولة بتأكيد وجودها و لا يمكن أن يضعف هذا الهاجس الذاتي إلا عندما تختفي الشروط التي تهدد المرأة في حضورها الأنطولوجي ". ويضيف قائلا :"و المرأة نظرا لتمحورها حول جسدها ، فهي تحول هذا الجسد إلى محور للحياة ، وعلاقتها بهذا العالم الخارجي تقدم دائما من منظور علاقة باطنية نفسية ".

و أهم ما يميز هذه الباطنية النفسية ، التي تحدث عنها الناقد لحمداني ، هي معاناة المرأة مع جسدها التي قررت الثقافة الذكورية ونسقها الاجتماعي إدخاله في باب" المحذور" و" اللامعقول".
إنها معاناة وصلت بالساردة في رواية "حين كنت رجلا" إلى درجة كره ذاتها، مفسرة ذلك بما يلي : " هذا الكره لم يكن متعلقا فقط بما يميز جسدي عن جسد الذكر ،بل ما كان يتجلى اختلافا في الحقوق والواجبات بيني وبينه ". وهكذا يعطينا المعجم كلمات من قبيل "الاختلاف" و" اللامعقول" التي تؤدي إلى كره المرأة لذاتها إلى درجة تمني الموت ، وهو مؤشر على الخلل الذي يتخبط فيه النسق الثقافي المنتج حول المرأة في العالم العربي المعاصر.وهو ما اعتبر نصر حامد أبو زيد في كتابه " دوائر الخوف" بأنه " خطاب في مجمله طائفي و عنصري ، بمعنى أنه خطاب يتحدث عن مطلق المرأة / الأنثى ويضعها في علاقة مقارنة مع مطلق الرجل / الذكر إنه النسق الفكري الذي يعتمد أساسا على هيمنة عنصر "الذكر" لا على تفاعل حقيقي بين الذكر والأنثى ".

و لا تؤدي الدلالات الدونية لعبارة "أنثى" فقط إلى كره المرأة لذاتها ، بل إنها تدفع بها إلى التنكر لأنوثتها و السعي نحو التحول القهري إلى التشبه بالرجل،و التمرد على اللغة بإسناد "التاء " إلى لفظة" رجل " : "منذ ذلك الحين بدأت اكره جسدي ، بدأت أتنكر لأنثويتي لأنها تجسد العيب . هل كان هو الحادث الذي جعلني أسير على درب الرجولة، هل كان هو الحادث الذي بدأت به ومعه أتحول إلى رجلة ؟ ربما".

وهكذا بإيجاد الكلمات المفاتيح الخاصة بالمجتمع في فترة معينة ،وباستخراج الشبكة الوظيفية الخاصة بالكلمات الثانوية المتعلقة بهذا المجتمع ، يصبح علم الدلالة نتيجة ملازمة للتاريخ و الإناسة الاجتماعية.وهذا يدفع إلى القول بأن اللغة ،خاصة المفردات ،بالنسبة لمعجمية الحقول ، لاتعبر عن الفكر فقط ، ولكن هي العامل الأساسي في تكوينه وتشكله ؛ وبالتالي فالدراسة المعجمية تقوم على اجتماعية اللغة.
ونجد في رواية فضيلة الفاروق "مزاج مراهقة" نبذ آخر للفظة "أنثى" وهو نتيجة طبيعية لحصار الآخر :" فيما بعد عرفت أن رجال العائلة عارضوا التحاقي بالجامعة (.....) فقد كنا فريسة لسلطة الأعمام و والأقارب و الجيران ....وعابري السبيل أحيانا". أمام هذا الحصار يتم الانقلاب على تاء التأنيث: "ما أتعس أن يكون الفرد امرأة عندنا فكل طموحاته تتوقف عند تاء التأنيث..."(ص12)

تتوحد إذن تاء التأنيث في المجتمع اللبناني عند إلهام منصور مع تاء التأنيث في المجتمع الجزائري عند فضيلة الفاروق و في كل المجتمعات العربية (يضيق المقام عن عرضها هنا بكل تفصيل) ،لتتضخم بالتالي معاناة المرأة مع مجتمع يتقن لعبة اللغة وشروطها ، على امتداد العالم العربي . حيث تصبح لفظة "أنثى" و" تاء التأنيث" عبارة عن" أفعال المجتمع"
(Les faits sociaux)

أو الأفعال الاجتماعية وهي من مصطلحات علم الاجتماع ، التي وردت كثيرا في كتابات دوركايم ، حيث ذكر في كتابه :
)Les règles de la méthode sociologique(

بأن التغييرات الاجتماعية هي أساس التغيرات اللغوية و الدافع إليها ، وأن الظواهر اللغوية ما هي إلا انعكاس للظواهر الاجتماعية، لذلك استعار مصطلح "أفعال" من علم الاجتماع: أفعال المفردات:
) Les faits de vocabulaire)

وأفعال المعجم:
(Les faits lexique)

و الأفعال اللغوية:
(Les faits de langage)

لكن دوركايم اشترط قيودا لهذه الأفعال بحيث يجب أن تكون مفروضة على الشخص من الخارج على وجه الإلزام ، وليست نابعة من محض تصرفه الذاتي ن وأن تكون شاملة لجميع أفراد المجتمع ، وليست خاصة بفرد آو عدد قليل من الأفراد.
إن هذا الشرط الذي اقترحه دوركايم يجد أرضيته الخصبة من خلال وضعية المرأة ، التي
فرضت عليها "أفعال اجتماعية"، انكتبت لغة من خلال السرد. ومادامت المرأة تشكل نصف المجتمع أو أكثر ( حسب الإحصائيات والأرقام التي تعتبر أنه في أغلب المجتمعات تصل نسبة النساء إلى حدود51 بالمائة )فإن الأفعال الاجتماعية تشهد بعدا مضاعفا على مستوى اللغة التي تكتب بها المرأة.
في رواية" بنات الرياض "للكاتبة السعودية رجاء الصانع تتصارع الأفعال الاجتماعية، وتنصهر داخل اللغة كاشفة فعل" المنع" : منع التوقيع بالاسم والاكتفاء بالبصم على عقد القران " أجبرت سديم على أن تبصم في الدفتر الضخم ، بعد ما جوبه بالإهمال احتجاجها على عدم السماح لها بالتوقيع . قالت لها خالتها : يابنيتي ابصمي وبس . الشيخ يقول تبصم ما توقع. الرجال بس هم اللي يوقعون" (ص39). وهكذا يؤشر فعل" الإجبار" دلاليا على فعل "المنع" من القيام بما ترغب في فعله الذات الأنثى ، ويؤشر فعل" الإهمال" على دونية الأنثى ، في مقبل قسمة ظالمة في الواجبات والحقوق بين الرجال و النساء؛ يقرها الشيخ بجعل الرجال هم الموقعون بالاسم على وثيقة الزواج . وبالتالي يصبح فعل" البصم" تعتيما مضاعفا، حيث تتشابه البصمات شكلا( و إن كانت في العمق تميز شخصا عن آخر وتفرده ). وفي المقابل يعتبر فعل التوقيع بالاسم دلالة على الوجود، وعلى الحضور الذاتي، وهو ما تأبى الثقافة الأخرى الاعتراف به كحق من حقوق الأنثى ، ولو كانت هذه الأنثى خريجة جامعة.
يحضر الفعل التواصلي من خلال السرد النسائي، عبر الحقول المعجمية ، التي لايسع المجال للخوض فيها بكل تفصيل. وإذا كان "المرسل" يتمظهر من خلال الساردة عبر مختلف النصوص ، فإن "المرسل إليه" يشكل بالنسبة للساردة / الكاتبة ، عالما من الأفعال الاجتماعية المضادة من وجهة نظرنا الخاصة ، وليس مؤشرا فقط على "المتلقي" /القارئ العادي أو الناقد المتخصص،كما اهتم به كل من هانس جورج كادمير و روبيرت ياووس و فولفغانغ إيزر.وهذه الأفعال الاجتماعية المضادة لتلك التي يطرحها السرد النسائي من خلال الشخوص ،تكشف صعوبة التواصل معها وإقناعها بكذا خطاب حول المرأة.















الكتابة النسائية العربية خارج الحدود


في مؤتمرها السنوي للجنة الأمريكية العربية لمناهضة العنصرية، تم تخصيص مائدة مستديرة لمناقشة بعض أعمال الكاتبات الأمريكيات من أصل عربي.وكان النقاش حول رفض مجموعة من الكتاب والكاتبات لمفهوم الأدب العربي-الأمريكي كنوع مختلف من الكتابة.وقد أكدت الشاعرة والناشرة نتالي حنظل الفلسطينية الأصل ، والتي تدرس بجامعة كولومبيا بنيويورك ،بأن زيارتها إلى فلسطين جعلتها تقف على الوضع الصعب الذي تعيشه مدينتها ومسقط رأسها "بيت لحم"، وكذلك القدس المدينة التوأم لها، والتي لم تتمكن من الذهاب إليها بسبب الحائط الذي يفصل بين الإسرائيليين و الفلسطينيين.واصفة الوضع بأنه عزلة لاتصدق .وقرأت أشعارا حول هذا الفصل الجائر الذي يفصل الضفة الغربية ، واصفة التشتت الفلسطيني عبر أنحاء العالم ،ومن ضمنهم أفراد عائلتها و الذين أصبحت لهم جميعا لغات متعددة بتعدد الشتات في البلدان ، بأنه يعطيها قوة في نحت الكتابة ن مخاطبة مواطنها الفلسطيني حيثما وجد في العالم ومهما كانت اللغة التي يتكلمها : "أينما كنت ، سأجدك دائما ، مهما كانت اللغة التي تتكلمها" . لذا فصفة" الأمريكي "التي تلصق بالأدب الذي ينتجه الأدباء في أمريكا لايتلون بالضرورة بملامح الحياة الأمريكية .
إنه حضور الذات والهوية ومعايشة مرارة مفارقة الوطن على بعد آلاف الأميال .
وتحدثت الكاتبة ليلى العلمي ، وهي مغربية مقيمة بأمريكا ، عن رؤية الآخر /الغرب للمرأة العربية ، وعن انتظاراتة لما ستكتب ، والذي غالبا ما يتمحور حول علاقة المرأة بالرجل العربي ،على أساس سرد عنف هذا الرجل اتجاهها وسلطويته ، وتعصبه .وهي صورة يشكلها ويبنيها الغرب في ذهنه بشكل سيئ ، دون أن يكلف نفسه المجيء إلى المغرب لمعرفة باقي أطراف الصورة ، والتي ليست كلها قاتمة على أية حال "هذا ما ينتظره الأمريكي مني ، أن أقول له كم أنا معنفة من طرف رجال عرب شريرين ....إنهم يستغربون عندما نبين لهم التنوع الكبير الحاصل في ثقافتنا وهويتنا العربية" وتتفق كل من ليلى العلمي ونتالي حنظل حول سوء معرفة الغرب بالعالم العربي ، بل إنهم يعارضون هذه الأحاسيس التي تشعر بها الكاتبات العربيات اتجاه أوطانهن. ولم تخف ليلى العلمي استنكارها للنظرة التي من خلالها يتعامل النقاد مع الإصدارات الأدبية للكاتبات ،خصوصا تلك التي تصدر عن نيويورك تايم ، وصحف أخرى حيث يتعرض الإبداع التي تنتجه المرأة لحملة هجومية عنيفة .
وكانت آخر رواية أصدرتها ليلى العلمي تحمل عنوان:

“ Hope and other dangerous pursuits “

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق