أهلا وسهلا
مرحبا بكم في هذه المدونة
السبت، 17 مارس 2012
الأربعاء، 21 يناير 2009
آليات التكوين الذاتي في مجال التواصل

آليات التكوين الذاتي في مجال التواصل
فاطمة كدو – أستاذة التواصل وتحليل الخطاب.
جامعة ابن طفيل – القنيطرة
1- المهنة : طالب باحث
إن أغلب الطلبة، إن لم يكن جلهم، يعتبرون أنفسهم - في لا وعيهم- عاطلين عن العمل، أي لا مهنة لهم. والواقع، هو غير ذلك، فالطالب داخل الحرم الجامعي، وخارجه، وأينما حلّ وارتحل، له مهنة محددة وهي : "طالب باحث".
ولأن الذاكرة الجماعية لمجتمعنا لا تعتبر عملا ما، مهنة إلا إذا كان مرتبطا بإدارة أو مؤسسة أو شركة، مرفوق براتب شهري وحوافز مهنية، فإنها بالتالي تعتبر الطالب مجرَّد محصّلٍ للمعارف والثقافة والفكر والعلوم وغير منتج ماديا.
ويظل وعي الطالب مرتبطا ومتأثرا بهذه الذاكرة الجامعية وما تختزنه من أحكام قيمية، لا ترقى إلى مستوى تمكين الطالب من أن يكون عنصرا فاعلا داخل المحيط الجامعي = وهو الأمر الذي يجعله مصابا بالإحباط، وغير مؤهل للانخراط داخل البنيات المكونة لهذا المحيط الجامعي، أضف إلى ذلك طبعا، هشاشة البنية التحتية للجامعة وبالتالي عدم توفر الطالب على أجواء معرفية علمية تمكنه من أن يكون في مستوى النهوض بالتنمية البشرية، كمستفيد من هذه التنمية وفاعل فيها.
2- ما بعد الباكلوريا.
تشكل الباكلوريا سنة حاسمة في التحصيل المعرفي للمطالب الراغب في ولوج الجامعة، على مستوى استيعاب المقررات والتفاعل معها، وكذا على مستوى فهم وإدراك التقاطعات الموجودة بين مختلف الحقول المعرفية. لكن هذين المستويين غير كافيين كي يكون الطالب مؤهلا عن جدارة لاستكمال انخراطه في المعرفة داخل الجامعة، إذا لم تكن هناك قاعدة صلبة لمستويين آخرين هما دعامة أركان هذا التحصيل المعرفي، يتعلق الأمر ب:
أ- اكتساب مهارات محددة مرتبطة بشخص المتعلم وليس بالمقررات.
ب- الانفتاح على المحيط الخارجي من خلال إعادة التفكير في مناهج التربية على المواطنة، بحيث يكون هدفها هو آليات ووسائل الإنصات الآخر.
يتحدد المستوى الأول في اكتساب مهارات الإنصات أو معرفة آليات الإنصات "savoir écouter" بحيث نضع التلميذ في تجربة تقييم ذاتي لقدراته على الإنصات واستيعاب ما يسمعه، ومحاولة تقديم تلخيصات مرتبة ومنظمة، تساعده على فهم دوره لاحقا في الجامعة، من خلال تقنيات متقدمة في منهجية التعبير والتواصل. فتقييمه الذاتي لقدراته على الإنصات والاستيعاب تمكنه لاحقا من تطوير تلقائي لهذه المهارة.
ويتحدد المستوى الثاني في حسن الاستفادة من مادة مهمة جدا وهي "التربية على المواطنة" لتفعيل دور التلميذ في عملية الإنصات للآخر، من خلال احتكاكه عن طريق تداريب وعروض داخل محيطه، تمكنه من أخذ المعلومة سماعا ومناقشتها وتحليلها كتابة لاحقا. وهو الأمر الذي سيجعله داخل العملية التعليمية فاعلا فيها ومتفاعلا معها، وهي اللحظة الوحيدة بامتياز التي تجعل من المتلقي صانعا للمعرفة (على الأقل معرفته الذاتية)، ومنخرطا فيها بدل أن يكون مجرد وعاء للحشو.
إن هذا الكلام لا يعني البتة أن الجامعة تريد استقبال طالب شمولي على مستوى المعرفة، قادر على الاستيعاب السريع، بل المطلوب تمكينه من المهارات الأولية التي تجعله مستعدا لولوج شبكة التواصل le réseau de communication ، والتي نؤكد مسبقا أنها شبكة تتطلب كثيرا من الجهد والذكاء لفك خيوطها، وفهم تقاطعاتها.
وأمام تعليم لا يمكن رواده من تعليم فن الاستماع / الإنصات، حيث يظل التركيز منصبا على فعل تعلم القراءة والكتابة والتكلم (lire, écrire, parler) فإن التلميذ/الطالب يكون قد قطع مراحل عمرية مهمة من حياته جاهلا كيف يتم فعل الإنصات والاستماع، وما هي قواعده وضوابطه، ليجد نفسه في نهاية المطاف داخل الجامعة غير قادر على تدارك ما فاته.
إذن القراءة والكتابة والتكلم/التعبير، كانت ولا تزال هي القاعدة التعليمية؛ ولم يتم الاهتمام بالاستماع /الإنصات إلا في الربع الثاني من القرن العشرين، حيث بدأ بعض التربويين النظر بعين الاعتبار للإنصات écouter / listening ، لكن الأبحاث والدراسات في هذا المجال لم تظهر إلا إبتداء من سنة 1950 خصوصا بالجامعات الأمريكية غير أنها سرعان ما اجتازت حدود الجامعة لتثير اهتمام العالم الصناعي والتجاري. فخلال مؤتمر لـ:
« American Society for training and dévelopment »
الذي انعقد ب Clevelant بأوهيو (Ohio) من 3 إلى 7 ماي 1965 كان من ضمن عناصر البرنامج مداخلة للدكتور Ralph. G. Nicols رئيس شعبة فنون اللغة بجامعة مينسوتا (Minnesota) وهو أستاذ أمريكي متخصص في قواعد الإستماع (Listening)، تحمل عنوان "الحواجز داخل التواصل"، وأخرى في مؤتمر لمتخصصين في التكوين تحمل عنوان "أين تقف حدود الاستماع" « où s’arrêtent les frontières ، de l’écoute » ، للدكتور Sam Duker من college of éducation, Brookyn collège .
وينبغي التذكير بأن القراءة بمعناها المعرفي، أي القراءة الموازية للمقررات، لا تكفي وحدها لتكوين التلميذ/ الطالب، خصوصا ونحن نلاحظ هذا العزوف عن القراءة الحرة وهو حال نشترك فيه مع أمم أخرى عديدة. فقد حدد Daniel Tual-loizeau من خلال تجربته التربوية بأن طلبته في السنة الأولى من الجامعة "يعانون من صعوبة في فهم وعرض إشكالية ما. والأكثر من هذا لا يستطيعون تحديد معني وحدة لسانية صغيرة، مع عدم الاكتراث إلى دلالات ومعاني الكلمات، وأنا اليوم أجدني مرغها على دفع طلبتي إلى قراءة الجرائد. وأفرح إذا قرءوا على الأقل جريدة واحدة كل أسبوع، أما قراءة الكتب، فإني عند ما أعمد إلى طرح مواضيع لإنجازها كعروض مع تقديم كتب لهم لهذا الغرض، فإن المفاجأة الكبيرة هي عندما يعمد الطلبة إلى اختيار أقل الكتب وزنا، ومن بينهم أحدهم قال لي سأختار هذا الكتاب الصغير، مع أملي أن لا أضطر معه إلى فتح القاموس عند كل كلمة. وباختصار هذا يدل على عدم تحمل المسؤولية، لا بل عدم الإحساس بها مطلقا"
هذا الكلام يدفعنا للتساؤل : ألا يمكن لفعل التدرب على الاستماع أن يضيف قيمة فكرية إلى هذا الفراغ الثقافي الذي يعاني منه طلبتنا وتلا ميذتنا. أو على الأقل سدّ هذا الفراغ الذي أحدثه عدم الاهتمام بالقراءة؟؟ بل ألا يمكن لفعل الإنصات أن يكون يشجع على الأقدام على القراءة بشغف كبير ؟
فحسن الاستماع والإلمام بعناصر محاضرة مّا مثلا من خلال تقنيات الاستماع قد يشجع على قراءة كل، أو بعض الكتب حول موضوع المحاضرة، من باب الإطلاع على الأقل، أو لم لا التعمق في التفاصيل أكثر. مع التأكيد على أهمية الانفتاح على الإعلام باعتباره يساهم في تشكيل الوعي الاجتماعي، بل هناك دلائل كثيرة تبرز مدى التداخل بين نظريات الإعلام ونظريات المجتمع، فهناك نظريات اهتمت بتفسير الحدث التواصلي والعلاقات التواصلية. ويقدم المنظور السوسيولوجي تفسيراته للسلوك التواصلي من خلال اهتمامه بالأبعاد التحليلية، والتركيز على الاهتمامات الأساسية لعلم الاجتماع بظاهرة التواصل، وقد كان لنظرية التعلم نصيبها من الاهتمام بالتواصل باعتباره عملية استثارة واستجابة .
3- آليات التكوين الذاتي في مجال التواصل
يعتبر التكوين الذاتي منهجا أساسيا في تحصيل الطالب وتنمية قدراته المعرفية وتعزيز تحصيله من المعلومات. لكن هذا التكوين، لا يؤدي إلى النتائج الإيجابية المطلوبة إلا إذا كانت للطالب قدرات على الإدراك والانتباه ووضع حلول للإشكاليات...
وفي المقابل لابدّ أن يكون للأستاذ قدرات تمكنه من التعرف على المكتسبات الطالب السابقة، ورصد دقيق لقدراته الاستيعابية واهتماماته الفكرية والثقافية فمن شأن ذلك أن يساعد الطالب على تجاوز المعيقات التي يمكن أن تقف في وجه تقويم تطوره الذاتي وحل المشكلات التي تواجهه.
فإذا تمكن الطالب من حل الإشكاليات التي تطرح عليه فإنه يكون بذلك على الطريق الصحيح. فتقديم حلول افتراضية تمكنه من معرفة أكثر بالمحيط الذي يعيش فيه، وتجعله أكثر انخراطا فيه ومسؤولا فاعلا فيه ومتفاعلا معه.
ولعل أولى آليات التكوين الذاتي في مجال التواصل تبدأ بحسن الإنصات / الاستماع لأنها الباب الأساسي نحو ضبط تقنيات أخذ النقط الأساسية.
4- تقنيات أخذ النقط الأساسية:
إننا جميعا نأخذ نقطا أساسية، سواء داخل الجامعة أم خارجها، لكن هل نحن قادرون على أخذ نقط بوثيرة سريعة، في وضعيات تواصلية معقدة ومركبة، سواء كانت هذه الوضعيات تتم عبر وسائط إعلامية أم لا (استجوابات عروض، محاضرات، اجتماعات)، أو من خلال التوصل برسالة (message) تتضمن عدة معلومات ينبغي تحديدها وشرحها؟
هل نحن قادرون على إعادة كتابة الرسالة (le message)، في شكل تقرير كتابي أو شفوي، بشكل تحليلي، مع الحرص على المفهوم العام لنص الرسالة والإخلاص لروحه؟
إن القدرة على ذلك تتطلب مجموعة من الكفاءات لعل أهمها :
- التحكم في السرعة
- القدرة على التحرير والتمكن من اللغة
- القدرة على التخزين والتسجيل من أجل التحكم في تسلسل الأفكار
- القدرة على التحليل من أجل اختبار الأفكار الأساسية والمهمة حسب الأهداف المطلوبة.
- القدرة على إعادة كتابة نص الرسالة بإخلاص من خلال :
• تنظيم المعلومات
• وإعادة إنتاجها دون تعديل في معنى الرسالة
• تحديد واختبار بنية تقديم الشكل الجديد للرسالة
• مراقبة المعلومات وتصحيحها.
• مراقبة اللغة التي تمت من خلالها إعادة كتابة نص الرسالة من أجل تصحيحها وتشذيبها.
من الكفاءات الأخرى نذكر كذلك :
- الحافز أو الدافع (Motivation ) فالنقط تؤخذ لهدف محدد.
- الفهم (Compréhension ) فالفهم الجيد يمكننا من تأويل جيد للأفكار المصاغة.
- القدرة على الانتباه (L’attention ).
- القدرة على التركيب (La synthèse) وذلك من خلال التلخيص وصياغة نص الرسالة بشكل تركيبي، مع حذف التكرارات.
- السرعة (Rapidité) في الإحاطة بالأفكار الأساسية التي ينبغي الاحتفاظ بها.
- القدرة على الاستعمال الجيد للغة (Maîtrise du langue) أي الاستعمال السليم للغة.
- الكفاءة في استثمار النقط التي تم تحصيلها ويمكن تلخيص ذلك من خلال الجدول التالي:
هذا الترسيم مأخوذ مع بعض التعديلات عن كتاب : (comprendre comment prendre des notes)
لـ: Florence le Bras Guide Marabout
الأدوات التي ينبغي استعمالها :
- أوراق منفصلة تستعمل من جهة واحدة ذات شكل : 29.7ء21، قلم حبر جامد يمكن من الكتابة بسهولة، وكذا أقلام ملونة التي يمكن أن نميز من خلال استعمالها بين عدد من الأفكار والنقط.
كيفية الإحاطة بالمهم :
يجب الانتباه بشكل جيد إلى :
- تصميم العرض
- مختلف المراحل الكبرى للاستدلال (raisonnement)
- الثوابت المنطقية للعرض (الكلمات والأدوات) :
- تمفصلات البدايات : بادئ ذي بدئ، أولا، قبل أن، ... أحدد أو لا ...
- تمفصلات للتذكير : من أجل هذا، وهكذا، نفس الأمر بالنسبة ل...
- تمفصلات الختم : إذن باختصار، وفي النهاية، وفي الختام، نختم ب...
- كما يجب الانتباه كذلك إلى بعض الثوابت منها ما هو مرتبط بالشفوي ك :
• الطرق المختلفة التي يعرض من خلالها المتكلم أفكاره كالتكرار وإعادة الصياغة، ورصيده من الكلمات : سريع بطيء، التغير في نبرات الصوت، التوقفات، الحركات والكتابة على السبورة.
• ومنها ما هو مرتبط بالكتابي ك:
• العنوان ولائحة المواد وصفحات الغلاف، والبيبليوغرافيا، المقدمة والخاتمة.
كما يجب عدم إغفال الثوابت التالية، والتي يمكن استعمالها من خلال مراجعة النقط الأساسية فيما بعد:
- الموضوع
- مصدر المعلومات
- التاريخ
- الظروف التي أخذت فيها النقط الأساسية.
اختيار منهجية محددة :
هناك منهجيات متعددة بطبيعة الحال كلها مميزة وذات إيجابيات، يمكن للطالب أن يختار منها ما يناسب اختياراته وتوجهاته، وطريقة اشتغاله:
- المنهجية الخطية (méthode linéaire)
- المنهجية المنطقية (méthode logique)
- المنهجية التشجيرية (méthode arborescente)
- المنهجية التنظيمية (méthode systématique)
- المنهجية المعيارية méthode normées))
القدرة على إعادة بناء العرض
أ- التهييء الجيد إعادة البناء :
- القراءة المتعددة من أجل تحديد : التصميم والعناوين، والعناوين الفرعية، والفقرات.
- إيجاد الفكرة العامة، والأفكار المفاتيح والوحدات الصغرى.
- حذف التكرارات والتفاصيل غير الضرورية
- معرفة دائما من يفعل ماذا، متى، أين، لأجل من، بأي هدف أو غرض.
- التمثل الروحي لمعنى النص في مجمله.
ب- إعادة البناء على المستوى الكتابي:
• الكتابة بدون أخطاء إملائية.
• الحرص على الاستعمال الجيد للتنقيط لأنه عنصر توضيح للفكرة لا يمكن الاستغناء عنه، لأنه يمكن من التحكم في نظام العرض، وكذا في الروابط بين الأفكار.
• ضبط الصفحات : احترام الهوامش، ترك بياضات وخلق فقرات منسجمة شكلا ومضمونا.
ج- إعادة البناء على المستوى الشفوي
- عند تقديم العرض شفويا ينبغي أن تكون الأفكار واضحة، من خلال جمل بسيطة ومنتظمة التسلسل.
- الانتباه إلى الروابط بين الجمل والكلمات
- التنويع في رصيد الجمل ووثيرة النبرة الصوتية
- تجنب التفكير في ما يمكن أن يقال حول سلبيات العرض أثناء الإلقاء الشفوي الذي يؤثر في الثقة بالنفس.
باختصار يجب التفكير فقط في الموضوع الذي يجب تناوله.
المنهجية الخطية :
الإيجابيات السلبيات
- تسجيل أغلب المعلومات - إعياء سريع وإمكانيات عدم تسجيل كل العناصر الأساسية.
- مجهود استيعابي محدود - عدم أو قلة تحليل النص
- إمكانية استثمار النقط الأساسية المأخوذة بشكل متنوع من قبل أشخاص مختلفين - نص مكثف أي به كثافة في المعلومات
- كثرة التعديلات
1- متى يتم استخدام هذه المنهجية ؟
• عندما يكون الهدف غير محدد
• عندما تكون النقط الأساسية مأخوذة من أجل الغير أي أننا لا نعرف لأي حاجيات ستستعمل.
2- كيفية استثمار هذه المنهجية ؟
• عدم أخذ سوى العناصر الأساسية
• استعمال أكبر قدر من الكلمات المختزلة.
3- تطبيقات :
إعادة كتابة ما هو أساسي من النص الذي قرئ باستعمال المنهجية الخطية.
4- نماذج:
استعمال حر
المعلومات الأساسية
معلومات إضافية
استعمال حر
معلومات ........................
........................
........................
........................
الكلمات المفاتيح أو الملخص
المنهجية المنطقية
يتعلق الأمر بمنهجية خطية لكنها منظمة بشكل جيد ودقيق.
الإيجابيات السلبيات
- تقديم مريح
- إمكانية تسجيل بشكل سهل العناصر الأساسية للنص
- يمكن للجميع استثمار النقط الأساسية المأخوذة. - ضرورة فهم الموضوع بشكل سريع
- ضرورة التنظيم التسلسلي للمعلومات كتابة مطولة على الصفحات
1- كيفية استعمال هذه المنهجية :
• على مستوى الصفحات : استعمال العناوين، والعناوين الفرعية والفقرات، وكل مجموعة من المعلومات يجب أن تقدم بشكل مماثل مع التفريق بينها بسطرين.
• الترقيم : تستعمل الأرقام الرومانية في البدء ثم الحروف المطبعية ثم الأرقام العربية فالأرقام الصغرى ثم خط صغير أو عارضة.
2- متى يتم استعمال هذه المنهجية؟
عندما تكون عبارات الكاتب واضحة، ومنظمة وتسمح بإمكانية وضع - بكل سهولة -تصميم لها.
3- تطبيقات :
المنهجية التشجيرية
الإيجابيات السلبيات
- منهجية انتقائية : لا نسجل إلا الأشياء التي تهمنا.
- رؤية جيدة للأفكار الأساسية
- إمكانية إضافة تفريعات أخرى. - ورقة واحدة لكل فكرة
- ضرورة تحرير نص واحد انطلاقا من النقط المسجلة
- ضرورة وضع بشكل سريع وواضح النقط الأساسية
- قراءة صعبة لثلث المعلومات المحصل عليها.
1- كيفية استعمال هذه المنهجية.
- في الاجتماعات
- أثناء محادثة مهنية
- من أجل إنجاز تلخيص لوثائق حول دراسة معينة
- من أجل إنجاز تصميم
- من أجل تشجير للنقط المأخوذة حسب المنهجية الخطية.
2- كيفية استعمال هذه المنهجية.
انظر التشجيرات التي سنقدم بعد قليل
3- تطبيقات
عندما نلقي المحاضرة أو العرض أو تقديم لكتاب نعمد إلى أخذ نقط أساسية من خلال نموذج تشجيري يتلاءم مع الأهداف المتوخاة.
المنهجية التنظيمية :
إن نص الرسالة أو الخطاب أو الوثيقة يتم تحليله حسب العلاقات بين الأفكار.
الإيجابيات السلبيات
- نظرة شاملة من الوهلة الأولى لمجموع النص
- عملية التذكر تتم بسهولة - ضرورة وضع ترسيم
- مجهود كبير على مستوى التحرير
- يتطلب الأمر تدريبا وتطبيقات
1- متى يتم استعمال هذه المنهجية ؟
- عندما يكون بالإمكان تعيين الروابط بسهولة أي الروابط التي تربط جملة بأخرى.
- عندما يكون الطالب قد استأنس ببعض التدريبات.
2- كيفية استعمال هذه المنهجية.
أنظر النماذج التي سنقدم بعد قليل
3- تطبيقات
عندما يقدم نص قصد تحديد أهم النقط التي يتضمنها، يجب القيام بقراءة جيدة، يتم من خلالها تحديد بشكل منظم: الفكرة الأساسية والأسباب والشروط، والتبعات أو النتائج والوسائل والهدف، ثم عليك بعد ذلك إبداع ترسيم (مربع، مستطيل، دائرة...) وتقديم تحليلك باستعمال المنهجية التنظيمية، هذه الأخيرة يجب أن تكون خاضعة لحاجياتك التي ترغب في تحقيقها.
المنهجية المعيارية
يتعلق الأمر بالإجابة على أسئلة محددة
الإيجابيات السلبيات
- ترتيب الأفكار
- استذكار واستعمال سريع
- طرح الأسئلة يمنع النسيان
- إمكانية أن تستعمل من طرف الجميع كل حسب طريقته - قلة المرونة
- معلومات محدودة
1- متى يتم استعمال هذه المنهجية ؟
- عندما يكون الهدف محدد بشكل دقيق
- عندما تكون العناصر المهمة لتحقيق عمل ما معلومة ومعروفة
2- كيفية استعمال هذه المنهجية
- بطاقة المكالمات الهاتفية (التاريخ، الساعة، المرسل، المرسل إليه، الرسالة، الوثائق المستعملة)
- منهجية سبع نقط (من، ماذا، كيف، متى، كم، لماذا، أين)
- منهجية وجهات النظر : وهي مهمة جدا أثناء الاجتماعات حيث تمكن من عزل كل وجهة نظر على حدة ومعالجتها عند كل المشتركين.
3- تطبيقات
- الموضوع ..............التاريخ.............
- المكان ................- المصدر............
من
ماذا
أين
كيف
كم
لماذا
متى
4-
منهجية الكلمات المفاتيح
وحدها الكلمات المهمة للنص أو للخطاب هي التي يتم الاشتغال عليها.
الإيجابيات السلبيات
- مهمة بالنسبة للنقط المختصرة
- رؤية مريحة للعمل - ضرورة التوفر على ذاكرة جيدة
- عملية توصيف غير مريحة
1- متى يتم استعمال هذه المنهجية ؟
- أثناء محادثة تلفونية
- أثناء محاورة
- عندما نعيد قراءة كتاب سبق لنا التعرف عليه
2- كيفية استعمال هذه المنهجية
• بترقيم الكلمات المفاتيح
• ترك بياضات بين كلمة وأخرى كي نسجل بعض التعليقات
3- تطبيقات
يمكن أن ننصت لنشرة الأخبار عبر المذياع ونستعمل هذه المنهجية على سبيل التدرب.
عرض تلفزيوني أثناء الحملة
الانتخابية لبرنامج أحد
الأحزاب السياسية
منهجية الملاحظات
عادة ما نعمد أثناء قراءة وثيقة (رسالة message) إلى تسجيل ملاحظات:
- من أجل وضع بطاقة
- من أجل وضع تركيب
الإيجابيات السلبيات
- إمكانيات استعمال هذه المنهجية في أي مكان وقلم رصاص عادي يمكن أن يفي بالغرض - ضيق الهامش من أجل تسجيل الملاحظات
- ليس هناك رؤية عامة لمجموع النقط الأساسية.
1- متى يتم استعمال هذه المنهجية ؟
- أثناء قراءة كتاب أو نص
2- كيفية استعمال هذه المنهجية ؟
هناك عدة إمكانيات منها :
- وضع سطر تحت الكلمات المفاتيح مع الانتباه إلى عدم الإكثار من التسطير فذلك يمكن أن يؤثر سلبا على عملية جمع المعلومات عند الانتهاء من القراءة.
- وضع في بداية الوثيقة أو الكتاب أرقام الصفحات التي تستحق أن يرجع إليها من أجل المراجعة
القراءة السريعة
1- الكفاءة المطلوبة
2- المنهجيات المتاحة
3- كيفية إدراك بسرعة نية الكتابة
4- ما هي الطرق التي يجب اختيارها ؟
5- اختيار أخذ النقط الأساسية.
إن تقنيات القراءة السريعة تمكننا من القراءة بسرعة وتدريب مستمر للبصر والدماغ.
1- الكفاءة المطلوبة :
- عدم النظر إلى بؤرة محددة داخل النص : أي تدريب البصر على رؤية الكلمات بشكل شمولي (ne pas subvocaliser).
- توسيع مجال الرؤية : يجب تدريب العين على رؤية أكبر مساحة ممكنة من الكلمات، فبدل أن تقرأ العين كلمتان يجب أن تقرأ خمس إلى ست كلمات من النظرة الأولى (agrandir le champ de vision)
- عدم إعادة اللقراءة : إذا لم تتمكن من تمثل جملة أو فقرة فلا داعي لإعادة قراءتها مرات متعددة، فالكاتب سيحدد في فقرات أخرى فكرته بشكل واضح وهذا سيمكنك من فهم جيد لما تقرأ (ne jamais relire).
- معرفة كيفية فهم باقي الجملة دون إتمام قراءتها (savoir anticiper).
- القدرة على التذكر : التدرب على تذكر فقط ما أنت بحاجة إليه (mémoriser).
- معرفة القراءة بيقين تام، إن الاستغراق الجيد في القراء ة، يمكن من تمثيل جيد لمعنى النص، وبالتالي التمكن الجدي من الانتقاء السريع للمعلومات المبحوث عنها (savoir lire avec conviction).
- معرفة القراءة الشاملة : إن تنويع القراءات يمكن من توسيع مجال الفهم ومداركه وبالتالي القدرة على فك شفرة الكتابة (savoir tout lire).
2- المنهجيات المتاحة
إنه أمام كتابة محددة، وحسب الهدف من القراءة يمكن أن نجد عدة أنواع من القراءة.
• القراءة الكاملة (la lecture intégrale ) = الهدف منها التعمق في فكرة معينة.
• القراءة الاستدلالية (la lecture repérante) = تستعمل عادة من قبل محرري المجلات والجرائد : البحث عن المعلومات، عن عناوين ...
• القراءة الانتقائية (la lecture sélective ) = هناك عدة تقنيات : البحث عن كلمات دالة (recherches des mots- signaux)
• الفرز = الاحتفاظ بالأساسي من خلال قراءة يمكن أن تقفز على عدة فقرات.
3- الوسيلة إلى تحديد بنية الكتابة بشكل سريع
من أجل انتقاء بسهولة المعلومة المبحوث عنها يجب تحديد بنية المقال أو النص أو الوثيقة ... وبالتالي فالبحث سيكون سهلا، إن النماذج متعددة، يمكن الاكتفاء هنا ببعضها :
• تصميم البكرة le plan « bobine »
- الموضوع المقترح – التصميم ...
- قسمان أو ثلاثة يتضمن أمثلة
- تذكير بالتصميم – اختيار فكرة، انفتاح
الموضوع على آفاق أخرى
• تصميم السهم Le plan « fusée »
- الموضوع المقترح – التصميم ...
- قسمان أو ثلاثة يتضمن أمثلة
- تذكير بالتصميم – اختيار فكرة،
- انفتاح الموضوع على آفاق أخرى.
التصميم التاريخي الكرنولوجي (chronologique) : يفضل الصحافيون التصميم التالي :
- الحاضر (le présent) = الوضعية الحالية
- الماضي (le passé) = من أين جاء المشكل
- المستقبل (le future) = ما الذي سيحدث
4- ما هي الطرق التي يجب اختيارها ؟
إن الاختيار يتم من خلال :
- توجهات وكفاءات الطالب
- أهدافه
- الحيز الزمني الذي يتوفر عليه من أجل إنجاز هدفه
-
هذه النماذج مأخوذة من كتاب « communication et organisation »
5- اختبار أخذ النقط الأساسية
أثناء اختبار القدرة على أخذ نقط أساسية من خلال قراءة سريعة ونشيطة لجرائد أو مجلات أو كتب أو وثائق فإن تمثل النصائح التالية يمكن أن يساعد على إنجاز مهمة الطالب.
1- وضع تصميم جيد
2- استعمال لونين لتحديد العناصر المهمة بالنسبة للتحليل والتي يمكن العثور عليها بسهولة عندما تريد كتابة تقريرك.
3- تحديد سقف زمني مثلا، 10 دقائق لفحص الوثيقة أو النص، 6 دقائق لكتابة التقرير.
6- التطبيقات :
يتم إجراء تطبيقات من خلال نصوص متباينة المواضيع.
تركيــب :
لقد حاولنا في هذه العجالة أن نقدم عناصر تهم فعل الإنصات كمرحلة أساسية في عملية التواصل، وقدمنا نماذج لآليات التكوين الذاتي قي هذا المجال وأرذفناها بأخرى خاصة بالقراءة : جريدة – كتاب – مقال- رسالة... لأن الطالب يجد نفسه في أحيان كثيرة داخل الجامعة يمارس عمله بشكل مزدوج موزع بين الأنصات والقراءة في ذات الآن.
كما قدمنا بعض الصعوبات التي تقف في وجه نجاح العملية التواصلية المتعلقة بالإنصات لارتباط التعليم والتربية لعقود طويلة بالكتابة والقراءة فقط. مع الإشارة إلى أن الإنصات يتطلب مهارات كثيرة، أشار إليها André Conquet في كتابه ، لا تقل أهمية عن المهارات المطلوبة بالنسبة للقراءة والكتابة. ويجب أن نخضع فعل الإنصات للتعلم والتدرب باعتباره مفتاحا أساسيا للتواصل لأن :
1- معرفة كيفية الإنصات لأنه وسيلة قوية للتعلم.
2- القدرة على الإنصات عند كل واحد يمكن أن تتطور وتتحسن من خلال التداريب المنتظمة.
3- المسؤولية في الحصول على هذه الملكة تقع على عاتق المواقف الجيدة لكل من الأباء والمدرسين بكل تأكيد. ولكن هذه المسؤولية هي بالنسبة لأساتذة الآداب وعلم النفس أكثر تقلا وأهمية.
4- لا يكفي أن يكون الفرد قارءا جيدا كي يكون منصتا جيدا.
5- في وقتنا الحالي لحضارتنا من المستعجل تعليم مواطنينا كيفية الإنصات "بشكل نقدي" لكل العروض التي تقدم من خلال وسائل الإعلام .
بل "إنه بالاستماع إلى الآخرين يمكن أن نحسن من طريقتنا في الكلام" .
تكنولوجيا الاتصال وقضايا الارهاب في المجال التربوي


تكنولوجيا الاتصال وقضايا الإرهاب في المجال التربوي
فاطمة كدو
إن الحديث عن تكنولوجيا الاتصال أمر شائك وصعب للغاية خصوصا في عصرنا الحالي، والصعوبة آتية ليس من "الإعلام" في حد ذاته، أي كموضوع ينبغي تعريفه، وتحديد مميزاته وأهميته في مجال التواصل بل إن الصعوبة آتية أساسا من خطورة هذه الفجوة الكبيرة التي تفصل الشمال كمنتج للتكنولوجيا الإعلامية والجنوب كمستهلك لها.
ولعل أهم مظاهر هذه الخطورة تتجلى في الإمكانيات التكنولوجية المهمة المتاحة لهذا الغرب والتي يتم توظيفها في مجال التربية والتكوين ونقل المعارف والتعريف بالآخر وربط الطالب بمحيطه الخارجي من خلال استحضار الأحداث المتسارعة التي يشهدها عالمنا منذ 11 شتنبر، حيث يصبح العنصر البشري داخل هذه العملية نقطة مركزية تتقاطع عندها عدة اتجاهات تربوية نفسية/ اجتماعية / تاريخية/ معرفية إلخ.... حيث يزود هذا العنصر البشري (التلاميذ والطلاب على وجه الخصوص) بمعلومات ومعارف قد تكون عاملا مهما في ازدياد هذه الفجوة على المستوى الإنساني من خلال تشكل معطيات سلبية عن الآخر (المسلم خصوصا) ومن ثم حصول التباين المعرفي والفكري والثقافي الذي قد يمتد إلى مظاهر اللباس كعنصر يميز الآخر (المسلم) عن الذات (الغرب)، وهنا يمكن استحضار قضية غطاء الرأس في الإعداديات والثانويات الفرنسية.
إن أهمية الإعلام وخطورته في نفس الآن نابعة من كونه "يشمل كل وسائل المعرفة : الصوت، والكلمة، والنص، والصورة، والمعلومات، والإشارات الإلكترونية، وحتى الإدراكات الحسية. فالإعلام هو المادة الأولية للمعرفة، باعتبار أن المعرفة، إعلام قد تم تركيبه وتأليفه حسب تصور معين (...) إن الإعلام -كما أفصح عن ذلك "غريغوري باتسن- « Gregory Batson » هو : "التباين" .
ويظل مجال البحث والتربية والتكوين من المجالات الحيوية التي اخترقها الإعلام وطورها كما وكيفا، وذلك داخل الإطار العام لشبكة التواصل الثقافي التي تعتبر التحدي المستقبلي الأساسي، خصوصا "طرق الإعلام السيارة"، التي هي نتاج كل من الإبداع العلمي والابتكار التكنولوجي والتي تثير عددا من التساؤلات المهمة بخصوص الخبر المنقول، والشبكات المستعملة" ، ويربط ذ المهدي المنجرة بين "السلام" كبعد إنساني وبين "التواصل الثقافي المتوازن"، الذي من شأنه أن يحقق البعد الإنساني للسلام، وبالتالي بناء مستقبل الإنسانية.
إن تركيز د. المهدي المنجرة على مفهوم "السلام" و مفهوم "التواصل" الثقافي المتوازن" يؤشر على أهمية الإعلام الذي "أضحى، في ذات الوقت، منبعا وأداة للسلطة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والعلمية، وبات المفهوم الحق للاتصال يتنامى بتطابق مع مدى التقدم الهائل في مضمار التكنولوجيا. وأمست وسائل الإعلام، تتفاعل باستمرار سائرة إلى تألق فسيح الأرجاء" .
لكن هذا "التواصل الثقافي" تواجهه عدة تحديات، يحددها د. المهدي المنجرة، في الفجوة الكبيرة التي تفصل بين الشمال المتقدم والجنوب الذي لا زال يصارع التأخر والتراجع من أجل السير نحو النمو والرقي، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار الاعتمادات المادية المهمة التي ينبغي تخصيصها للنهوض بالقطاع التكنولوجي : "إن توظيف التكنولوجيات في الاتصال، يستحت مبالغ مالية مهمة، ويقتضي تصعيد مساهمة القوى البشرية ويترتب عنه حتما التركيز على نمو السوق وازدهارها. ذلك كله، يمثل تحديا لا قبل إلا لعشرة من البلاد السائرة إلى النمو برفعه.
وقد تجلى من اللازم في تحقيق الرفاهية الاجتماعية- الاقتصادية، وتأمين المعيش السياسي والثقافي، أن تعتمد مشروعات مشتركة بين البلاد السائرة إلى النمو. فمن شأن تعاون منظم بين أقطار الجنوب، أن يفيد نمو دول العالم الثالث، بل كذلك أن يساعد على نجاح البرامج المتعلقة بكل من الشمال والجنوب، بما ينهض بأوضاعها في اتجاه المزيد من الرخاء والانسجام. مما يساعد على صون التنوع الثقافي وتعزيز التضامن الإنساني..." .
إن صون "التنوع الثقافي" وتعزيز "التضامن الإنساني" في رأينا الخاص لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال قاطرة مهمة جدا وهي : التربية والتعليم، وتنشئة الأجيال القادرة على تحمل مسؤوليته أولا، فهم دلالات "التنوع الثقافي"، ثم ثانيا العمل على إحداث الآليات الكفيلة بإنجاح عملية صون هذا التنوع، وبالتالي فتح المجال أمام تعزيز "التضامن الإنساني". لكن السؤال الذي يطرح نفسه علينا بإلحاح هو كيف يتم تمرير هذا الخطاب حول الإرهاب عبر قنوات التواصل المختلفة إلى الناشئة داخل الإعداديات والثانويات بالغرب -فرنسا على سبيل المثال- خصوصا عندما يتم ربط هذا الخطاب حول الإرهاب بالإسلام، حيث يتم تجنيسه ووصفه من خلال بيئة محددة وشعوب معلومة؟ ما هي آليات انتقاء الخطاب (مقالات صحفية – برامج تلفزية/ إذاعة / ندوات...إلخ) التي تناسلت حول مفهوم الإرهاب محلِّلَة دلالاته وأبعاده، يتم عرضها عبر مواقع الإنترنت المتخصصة في مجال التربية والتكوين لتكون رهن إشارة هيئة التدريس لشرحها للتلاميذ قصد ربطهم بمحيطهم العام وتدريبهم على اتخاذ مواقف من الأحداث التي يعيشونها من أجل مواجهة الآخر/المسلم وبالتالي مواجهة خطابه المتطرف على حد تعبيرهم، هل تعمل قنوات التواصل هذه –البيداغوجية منها على وجه الخصوص- من خلال ما تجمعه من معلومات معرفية / فكرية على التفريق بين المسلم المسالم، والمسلم الذي يتبنى أفكارا توصف بالمتطرفة أم أنها تعتبر أن جميع المسلمين إرهابيين، وبالتالي فكل الخطابات التي تحلل الإرهاب والتي تشير بإصبع الاتهام إلى كل مسلم على أنه مشروع إرهابي ينبغي أن تكون هي الأخرى ضمن المواد البيداغوجية لوسائل التواصل- خصوصا الإنترنت ؟
إن الذي دفعنا إلى الخوض في هذا الموضوع الذي يتقاطع فيه الإعلامي بالتربوي هو ثلاثة أمور :
الأول : يتجلى في الهوة المعرفية الكبيرة التي تفصل تلامذتها وطلبتنا عن تلاميذ وطلبة الضفة الأخرى -أي أوروبا- خصوصا فرنسا.
الثاني : يتجلى في الكم الهائل من المواقع البيداغوجية عبر الإنترنت
الثالث : يتجلى في الكم الهائل من المعلومات المعرفية التي يتم تجميعها في شكل ملفات داخل هذه المواقع البيداغوجية والتي تكفي نقرة بسيطة على الزر كي تتدفق محتويات هذه الملفات التي تقدر المعلومات التي تضمها بالملايين كلها رهن إشارة قطبين: الأساتذة والتلاميذ.
سوف نركز على نموذج واحد من هذه المواقع البيداغوجية عبر الإنترنت وهو موقع « Café Pédagogique » وعنوانه هو : www.cafépédagogique.net ثم سنحلل بعد ذلك هذه المعطيات بشكل مختصر في إطار إشكالية بيداغوجية عامة. يعتمد هذا الموقع في عمليته التواصل مع المتلقين (Les récepteurs) من الأساتذة والتلاميذ، على عدة ملفات منها :
1. ملفات عبارة عن دليل عناوين لمواقع أخرى يصفها الموقـع بالجيـدة (Les bonnes adresses) وهذه الملفات تضم الوثائق الأصلية (Les documents bruts) وكل موقع يتم تقديمه من خلال عناوين صغيرة تلخص مضمونه مثلا :
• أحداث 11 شتنبر :
خريطة جغرافية توضح الأصل الجغرافي للضحايا :
htpp://public.state.gov/régional/af/sécurity
صور لردود الفعل حول هجمات 11 شتنبر:
htpp://public.yahoo.com
• ردود فعل المسلمين بفرنسا :
http://oumma.com/article
2. ملفات خاصة بالأساتذة تسجل مواقفهم من أحداث 11 شتنبر وتداعياتها. وهذه الملفات تحمل أيضا عناوين تعريفية يليها عنوان الموقع :
• ردود الفعل الساخنة لأساتذة التاريخ والجغرافيا
(Les réaction à »chaud » des professeurs d’histoire –Géographie).
http://www.clionantes.org
3. ملفات عبارة عن مقاربات تخصصية :
(Des approches disciplinaires)
ك:التاريخ والجغرافيا والتربية على المواطنة.
http://www.av-bordeaux.fr/pédagogie
هذا الموقع يدرب التلاميذ على كيفية انتقاء المعلومات وعلى ربط الأحداث بكافة أشكالها بقيم الديمقراطية.
4. ملفات خاصة بالأعمال التطبيقية :
تضم هذه الملفات بطاقة رسمية من توقيع مجموعات بيداغوجية ووزارة التعليم المهني، وتقول هذه البطاقات بالحرف :
« (…..) une fiche pédagogique pour aider les lycées professionnels à traiter en classe la question du terrorisme aux états unis (…..) ce document est utile bien au delà de l’enseignement professionnel ».
- إنها بطاقة بيداغوجية لمساعدة الثانويات المهنية على معالجة –داخل الفصل مسألة الإرهاب بالولايات المتحدة الأمريكية.
أما الموقع فهو :
http://www.metiers.gouv.fr
5. ملفات تطبيقية لمعالجة المفاهيم المرتبطة بالإرهاب وككل ملف هناك
- جملة تعريفية تقول : تعطى هذه الملفات للتلاميذ إمكانية معالجة المفاهيم وهي ملفات خاصة بالإعداديات لكن يمكن أن تطبق داخل الثانويات.
htpp://www.perso.wanadoo.fr
هذه الملفات مسجلة تحت اسم : تطبيقات دومنيك ناطانسون
Les T.P de Dominique Natanson
وهناك ملفات أخرى تحت اسم : Les T.P. de Dominique Vandanjon
هذه الملفات تقدم أشغالا تطبيقية من خلال :
- استعمال ومقارنة مختلف مصادر المعلومة.
- بحث مدى مصداقية هذه المصادر
- طرق تشكيل ملف وثائقي
هذه الملفات توجد بـ:
http://www.clinantes.org/fjarraud/exjs/attentats3
6. ملفات تشمل عناوين للمواضيع المرتبطة بالإرهاب بالصحف الفرنسية ك:
صحيفة : …Le Figaro / Libération / Le Monde
وتوجد على الموقع :
http://hg9.free.fr/ony2001/1munes.htm
وتحت عنوان كبير : نصوص من أجل التدبر والتفكير (Texte de réflexion)
يقدم الموقع البيداغوجي : Café pédagogique
قائمة طويلة لعناوين أبحاث وكذا عناوين المواقع التي توجد بها نذكر منها على سبيل المثال :
- Jaques Tarnero : Islamisme radical et intégrisme au proche rient :
http://www.anti-rev.org/textes/
Débat : Gilbes Kelp. Tariq Ramadan et Mohamed Tosy, libération 8 Août 2000 : l’islamisme fin et suite :
http://www.liberation.fr/quotidien/débats/
- Olivier Roy, chercheur au CNRS : l’internationale islamiste, le monde diplomatique. L’auteur retrace l’histoire du fondamentalisme depuis 1983.
http://www.monde-dipolatique.fr/1998/
وبالإضافة إلى ذلك هناك :
7. ملفات خاصة بالصور، حيث تكون "الصورة" موضوع نقاش وتحليل. ومن أجل تعميق هذا النقاش فإن الموقع البيداغوجي عبر الإنترنت يتعاون مع القنوات التربوية مثل France 5 التي تعرف أيضا تحت اسم la cinquième ، حيث يتم انتقاء بعض البرامج لدعم انفتاح التلاميذ على المحيط الخارجي. ومنها برنامج : « Arrêt sur images » الذي يوجد على الموقع :
http://www.france5.fr/asi
8 ملفات خاصة بالصور الصحفية، أي جميع الصور التي التقطها الصحفيون أثناء أداء مهمتهم. وتوجد على الموقع :
http://63.208.24.134/terrorisme/gallery/wedgallery.htm
ولا يكتفي هذا الموقع البيداغوجي بعرض هذه الملفات باللغة الفرنسية فقط. بل يتعاون من خلال اللغة الإنجليزية مع مواقع أخرى غير بيداغوجية بريطانية وأمريكية ليطعم مضامين الموقع ولكي تكون استفادة الأساتذة والتلاميذ غنية وثرية من حيث المعلومات سواء بالفرنسية أم الإنجليزية، ونذكر من بين هذه المواقع على سبيل المثال :
http://www.nous.bbc.co.uk
http://www.washingtonpost.com/
http://www.cnn.com/specials/2001/trade.center/benladen
هذه المواقع يسجلها الموقع البيداغوجي تحت اسم :"مصادر معلومات"
وهناك ملفات خاصة بالوثائق منها وثائق خاصة بتنظيم القاعدة، توجد بالموقع :
http://www.web.nps.navy.mil/library
حوار مع بن لادن تم تقديمه ب CNN في مارس 1997 ويوجد على الموقع :
http://www.flinet.com/~politics/jihad/jihad.htm
وبالإضافة إلى ذلك هناك دروس تم أخذها من الولايات المتحدة لتعزيز الموقع. وتم تعريف هذه الدروس بالعبارة التالية :
« cette page regroupe plusieurs cours pour aider les élèves à s’exprimer sur le terrorisme ».
توجد هذه الدروس على الموقع :
http://www.indiana.edu
وهناك دروس أخرى مقدمة من طرف New York times مكونة من ست صفحات تحت عنوان :
« helping students explore the views about the terrorist attack ».
وتشمل هذه الصفحات مخططا للدروس وأنشطة تطبيقية لمختلف المستويات التعليمية.
دروس مقترحة من قبل قناة CNN مع مصادر للمعلومات توجد على الموقع :
http://www.fyi.cnn.co;/2001/fyi/ressor.plqns/
لعبة : عبارة عن 100 سؤال لمقاومة العنصرية ضد العرب (مع تقديم أجوبة) هذه الدروس تمكن من اكتشاف الجالية العربية- الأمريكية القاطنة بالولايات المتحدة الأمريكية. هذه الأسئلة تم تهييؤها من طرف: Richard Jensen وتوجد على الموقع :
http://www.freep.com/jobspage/arabs/
بالإضافة إلى ذلك، هناك :
مقالات متخصصة وأفلام فيديو (Vidéos) حول ذات الموضوع بل الأكثر من هذا أن هذا الموقع البيداغوجي خصص حصة مهمة من ملفاته للأطفال في المرحلة الابتدائية بشكل مبسط تتمحور حول الجانب النفسي، حيث يركز الملف على تقديم نصائح للأطفال عن كيفية التعامل مع "مأساة" ما عندما تحدث وتوجد هذه النصائح على الموقع :
http://www.kidshealth.org/kid/misc/terrorist-attacks.htm
ملفات تحت عنوان : الإرهاب الإسلامي (Le terrorisme islamiste) توجد على موقع:
http://www.liberation.fr
ملفات خاصة بصراع الحضارات : الحضارة الإسلامية ضد الحضارة الغربية :
« the clash of civilization » par Samuel P. Huntington
وتوجد على الموقع :
http://www.foreignaffairs.org
إن المقام لا يتسع لعرض كافة محتويات هذا الموقع البيداغوجي الغني جدا بالمعلومات. وبما أن غاية البحث –كما جرت به الأعراف- هو طرح إشكالية محددة تتمحور حولها عدة أسئلة وتتقاطع عندها مختلف طرق التفكير وأساليب المعالجة، فإن ما سأطرحه ليس إشكالية بصيغة المفرد، بل هي متعددة الجوانب ومتشابكة، تحضر فيها المقاربة التمثلية بشكل أساسي، وكذلك بيداغوجيا الكفايات.
ذلك أن التمثلات تعتبر حافزا أساسيا وعاملا حاسما يجعل من التلميذ /الطالب مؤهلا وقادرا على بناء تصور معرفي. خصوصا عندما يتم ربط التمثلات بالواقع المعيش والمحيط العام للمؤسسة التعليمية أو بتعبير أدق حسب دوركايم E. Durkheim "التمثلات الجماعية والاجتماعية".
وهكذا فإن ما تنجزه هذه المواقع البيداغوجية كالموقع Café pédagogique) هو بالأساس مساعدة الأساتذة والتلاميذ والطلبة على أولا معالجة المعلومات وثانيا تخزينها وهما عمليتان تؤشران على التمثلات. كما أن هذه المواقع من خلال اعتمادها على مناقشة وتحليل أحداث محددة كأحداث 11 شتنبر، إنما تقوم بالتمثل الرمزي لأحداث وقعت مع العمل على فهمها والتعرف عليها ومناقشتها وإعطاء تصورات وآراء حولها. وبالتالي فهي تساعد التلميذ / الطالب أو المتعلم بصفة عامة على تمثل محيطه والاندماج فيه تفكيرا وتحليلا، وبالتالي فالتمثلات تعني حسب R. Legendre الطريقة التي يفكر بها الفرد. وهي كذلك في رأينا كما في رأي عدد من المهتمين بهذا المجال :
نشاط ذهني / فكري يمكن التلميذ / الطالب من الاحتكاك بواقعه المعيش ومواجهة إشكالياته وأحداثه.
ويفترض في التلميذ (الطالب أن تكون له تمثلات قبلية أو تراكم معرفي مهم يكون هو الانطلاقة التي تمكن من التموضع في صلب المعطيات الراهنة. وهذه المرجعية الفكرية أو القبلية تساعد المؤطر كذلك (أي الأستاذ) على توجيه المتعلم من خلال الأنماط المعرفية التي تستدعيها الذاكرة الجماعية للتلاميذ/الطلبة أي كل ما له علاقة بحدث / أحداث صورة رموز إلخ، والواقع أن استغلال أحداث 11 شتنبر من قبل المواقع البيداغوجية الفرنسية بشكل منظم ومدقق تعتبر انفتاحا مبهرا وخدمة كبيرة تقدم للمنظومة التعليمية والمنضوين داخلها من تلاميذ وأساتذة ذلك أن ربط التربية بالوسائل الإعلامية وتكنولوجيا الاتصال من شانه أن يجعل وظيفة التمثلات تحقق الأهداف المسطرة لها والمتمثلة في المساهمة في البناء المعرفي وإعادة إنتاج الظاهرة أو الحدث موضوع البحث (مثلا أحداث 11 شتنبر وتداعياتها) على المستوى بالتصادم بين التمثلات القبلية للشخص المتعلم وما يقترحه عليه الخطاب الديداكتيكي، هذا الأخير عليه العمل على تجاوز تلك التمثلات القبلية من أجل الانطلاق نحو اكتساب معارف أخرى بدل تلك الجاهزة في ذهنه (Les connaissances mobilisées) مع الدفع بالمتعلم إلى الشك دوما في حصيلته المعرفية الأولية لأن ذلك من شأنه أن يفتح شهيته إلى الانطلاق نحو معارف جديدة وتصورات أغنى، وأكثر ملاءمة للأسئلة التي يطرحها وقاعه المعيش وهي أسئلة متوارية تخص التمثلات الاجتماعية الناشئة أصلا عن الارتباط بالجماعات الاجتماعيةL’attachement au groupes sociaux حسب دوركايم فهذه المشاركة هي ما يجب أن تسعى إليه التربية الحديثة من أجل تطوير الكفاءات وإغنائها "(.....)، إن المعرفة وأن تلجأ إلى المشاركة، إن لمعرفة تكتسب بالتشارك وليس بالتلقين فحسب، مما يتيح للجميع فرص التفتح وتحمل المسؤولية في إنشاء المعرفة، والاستفادة من تطبيقاتها".
إن محتويات التدريس يجب أن لا تشمل فقط المقررات والارتباط بها قلبا وقالبا بل يجب أن تظل هذه المحتويات منفتحة على مستجدات الأحداث وكذا المحيط الخارجي للمؤسسة حتى تكون هذه المحتويات جميعها مساهمة في تنمية كفاءات المتعلم في مختلف مستوياته التعليمية.
فمحتويات التدريس لن "تكون في هذا التصور الجديد سوى حوافز ومعززات للعمل الذي يستهدف تطوير الذكاء والشخصية في جميع أبعادها. فتعطى الأهمية لكفاءة التلميذ والطالب في معالجة المعلومات وتحليلها وإدماجها في مكوناته النفسية. وكذا الكفاءة على مواجهة المشاكل المستجدة بوعي وإرادة صلبة لتجاوزها بما يضمن توازنه واندماجه" .
ولا يمكن في رأينا تفعيل هذا التصور الجديد في غياب مواكبة تطوير نظريات الكفاية بشقيها: 1. كفاية التدريس الخاصة بالفاعلين على مستوى التكوين و2 كفاية المتمدرسين أو طالبي العلم والمعرفة.
فبخصوص الشق الأول يقول الأستاذ لحسن مادي : "إن مهنة التدريس تعتبر مهنة من نوع خاص، تقوم على كفايات متميزة تسمح بالتحكم في نمط من الوضعيات، وبالتزويد بمواقف توقيعية قصد التلاؤم مع أي وضعية جديدة وفهما والسيطرة عليها، ثم استثمارها بشكل جيد. إن الكفاية في التدريس" لا تتوقف على نقل وصفات حرفية متعلمة عن طريق حضور سلسلة من الأنشطة التدريسية التي يقوم بها مدرسون معترف لهم بحنكتهم وبتجربتهم.
ويجب أن لا تعتمد هذه الكفايات المرغوب في تحصيلها على الارتباط الأعمى بالأنشطة المرتبطة بالمقررات "بل إلى جانب هذا، فإن الاستعداد النفسي والتربوي لمعالجة وضعيات غير متوقعة، والقدرة على تكييف ما هو مخطط ومهيأ مسبقا مع الوضعيات الجديدة، يعتبر وسيلة عملية لجعل تكوين المدرسين يساير طبيعة التحديات المرتبطة بتطور المعارف والتكنولوجيات، وكذا بتطور مفهوم التكوين من أجل ممارسة مهنة معينة لها خصوصياتها" وبالعودة إلى ما أشرنا إليه بخصوص المواقع البيداغوجية (Café (pédagogique على وجه الخصوص يتضح مدى تطبيق هذه الكفايات في التدريس من خلال معالجة وضعيات غير متوقعة (أحداث 11 شتنبر) وعدم الارتباط بشكل كلي بالجري وراء إنهاء المقررات في موعدها وهو ما يؤشر على عدم مرونة العملية التعليمية؛ وغياب هذه المرونة يؤثر سلبا على الكفايات خصوصا في شقها الثاني حيث يرى الأستاذ محمد الدريج من أجل تجاوز هذه السلبيات أن "أسبق الأسبقيات لهذا التوجه التربوي تكمن في نشر ضرب من المعرفة البيداغوجية وضرب من الفعالية في الممارسات التربوية والأنشطة التعليمية بين أوساط المربين والمدرسين والتلاميذ لمساعدتهم على ترسيخ أسباب النجاح والتفوق في التحصيل الدراسي".
تركيب :
مما لا شك فيه أن تكنولوجيا الاتصال وقضايا الإرهاب في المجال التربوي من المواضيع الحديثة جدا على ساحتنا الفكرية والاجتماعية والتعليمية، حاولنا الإحاطة ببعض جوانبها حسب ما تسمح به أبجديات طرح الإشكاليات، ولا شك أن التعمق في الموضوع سيحتاج إلى دراسة شمولية. ومقاربة تحليلية أكثر عمقا ليس هنا مجالها. ويبقى مجال التمثلات والكفايات في مؤسساتنا التعليمية محاطا بهالة ضبابية لا يمكن تجاوزها إلا بدعم انفتاح المنخرطين في العملية التربوية على محيطهم الاجتماعي والفكري والسياسي من خلال دعم الشبكات البيداغوجية عبر الإنترنت، وتجنيد متخصصين في جمع المادة العلمية وانتقائها مما يعيشه العالم من أحداث، وتيسير أمر معالجتها من طرف المؤسسات التعليمية، إذا أردنا بالفعل تكوين وتأهيل فرد يساهم في بناء مجتمعه، من خلال تغيير النظرة للمقرر الدراسي ذلك أن "التعامل مع المقرر بالشكل التقليدي هو تعامل مع القوالب المعرفية الثابتة التي مصدرها الأساسي هو الكتاب والمدرس، وعلى هذا الأساس، يعتبر هذا الأخير مصدر عطاء، ومثلا يحتدى، ويستلزم الطاعة. وهذه الوضعية تبعدنا عن المبادئ الأساسية (..........) التي اعتبرناها صالحة لكل تكوين كيفما كان نوعه ونعني بذلك الاستقلالية، والتكوين الذاتي، والتقويم الذاتي، وروح المبادرة" .
إن هذا المنهج ذي الأبعاد الأربعة يمكن أن يساهم في تفعيل وتطوير آليات بناء الشخصية المتعلمة من جميع النواحي.

الدلالات الدونية لعبارة "أنثى"
فـي الـذاكرة الجمـاعيـة
بيـن الوضـوح والغمـوض.
فاطمة كدو
أستاذة وباحثة بجامعة ابن طفيل
كلية الآداب
بدءا، لا بأس من التذكير بأن مسألة الغموض والوضوح في الأدب لا تتعلق بأسلوب كاتب، أو فكرته الأصلية التي بنى عليها عمله (قصة، رواية، شعر، مسرح...) بل هي مرتبطة بالبنيات الذهنية التي يرتهن إليها الكاتب من خلال تجاربه الحياتية اليومية. وبقدر تأزم (غموض) أو انفراج وبساطة (وضوح) هذه التجارب، تأتي تمثلات البنيات الذهنية في المشروع الأدبي للكاتب، لتعكس في ذات الآن حضور المجموعات الاجتماعية من خلال هذه التمثلات. وهو ما أكد عليه لوسيان كولدمان (Lucien Goldman) في مشروعه البنيوي، حيث أبرز بأن "العلاقة الجهورية بين الحياة الاجتماعية والإبداع الأدبي لا تتعلق بمضمون هذين القطاعين من الواقع الإنساني، بل تتعلق فقط بالبنيات الذهنية، أي بهذه المقولات التي تنظم في نفس الوقت الوعي التجريبي لمجموعة اجتماعية والعالم المتخيل من قبل الكاتب، وبالتالي فإن هذه البنيات الذهنية ليست ظواهر فردية بل هي ظواهر اجتماعية" .
إن المجموعة الاجتماعية الممثلة للكاتبات المبدعات في تعاطيها مع المتخيل والإنتاج الإبداعي لا تنطلق من منطلقات فردية تعكس تجربة كل كاتبة بشكل انفرادي، بل هي تعكس المجموعات الاجتماعية التي تفاعلت معها، ذكورا وإناثا. بدءا من المقولات المشكوكة حول المرأة وطرق إنشائها وتربيتها وتوجيهها وجهة الجهالة والإقصاء والتهميش، ومن ذلك على سبيل الذكر لا الحصر النصيحة المأثورة لخير الدين نعمان بن أبي الثناء كما سيأتي ذكر ذلك لاحقا.
إن عبارة "أنثى" التي هي محور حديثنا هنا من خلال رواية "حين كنت رجلا: للكاتبة اللبنانية إلهام منصور تجسد الغموض الذي تتخبط فيه "الأنثى" ما بين حالات تأنيب وتعذيب للذات الأنثى وبين تعنيف لها على مستوى وأد بعض رموز هذه الأنوثة دون معرفة الأسباب المقنعة ولا المبررات، حيث تكتفي الأنثى بترديد عبارات "ليتني لم أولد أنثى" لعن الله اليوم الذي ولدت فيه أنثى".
سنة 1989 أوصى خير الدين نعمان بن أبي الثناء في كتابه المعنون ب"الإصابة في منع النساء من الكتابة" ، بما يلي : "أما تعليم النساء القراءة والكتابة فأعوذ بالله، إذ لا أرى شيئا أضر منه بهن، فإنهن لما كن مجبولات على الغدر كان حصولهن على هذه المَلَكة من أعظم وسائل الشر والفساد، وأما الكتابة فأول ما تقدر المرأة على تأليف الكلام بها، فإنه يكون رسالة إلى زيد ورقعة إلى عمر، وبيتا من الشعر إلى عزب وشيئا آخر إلى رجل آخر، فمثل النساء والكتب والكتابة، كمثل شرير سفيه تهدي إليه سيفا، أو سكير تعطيه زجاجة خمر، فاللبيب من الرجال من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى فهو أصلح لهن وأنفع.
إنها رسالة مهمة تكشف ذاك الهامش الذي عملت الثقافة الذكورية لأمثال نعمان بن أبي الثناء على محاصرة المرأة فيه زمنا طويلا. وهو أيضا استحضار للبعد الإبداعي الذي عرفه قلم المرأة في الرواية والقصة والدراما المكتوبة. والذي قوض ولا شك وصية ابن أبي الثناء. وهذا الكلام حسب الناقد السعودي عبد الله محمد الغذامي : "ما هو سوى رقية لتحصين مملكة الرجل اللغوية ودفع المرأة عنها لكي تظل الكتابة احتكارا ذكوريا" .
وهذا الفرزدق يقول في امرأة قالت شعرا : "إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها" .
إن هذا النسق الثقافي العام الذي صدر عنه كلام كل من نعمان بن أبي الثناء والفرزدق، وغيرهما كثير، إنما يؤشر على المركز الأصل الذي تمثله الثقافة الذكورية، والهامش الذي تمثله المرأة، والذي يجب أن يظل مجرد تقليد ونسخة مشوهة للأصل. وهكذا يرى عبد الله محمد الغدامي في "معضلة النسق الذهني الفحولي أنه نسق مغلق لا يبصر ما هو خارج الذات ولا يتنبه إلى المغاير والمختلف" .
والإبداع عند المرأة هو نفسه في المغرب وفي المشرق خاضع لنسق ثقافي فحولي، مهما تباينت مضامين هذا الإبداع واختلفت مواضيعه من مبدعة إلى أخرى. ونكتفي هنا من باب التذكير فقط بما أحيط به مصطلح الأدب النسائي أو الكتابة النسائية أو أدب المرأة...من نقاش حاد رفض من خلال أغلب النقاد أن يكون للمرأة إبداعها الخاص، وأن يصنف حسب جنس الكتابة داعين إلى اعتماد مبدأ الإنسانية والكلية التي لا ينبغي أن تتجزأ، معتبرين أن الكتابة هي كتلة واحدة لا تقبل التقسيم الجنسي بين أدب ذكوري وآخر نسائي أو أنثوي. وقد أيد هذا المنحى عدد مهم من المبدعات والناقدات، بدعوى أن تصنيف الكتابة عند المرأة في خانة التجنيس، إنما من شأنه أن يزج بهذه الكتابة إلى الهامش على حساب مركزية ذكورية فحولية. ناسيات أو متناسيات، أن الحديث عن مبدأ الإنسانية والكلية لا يطفو إلى السطح إلا حين يتم الحديث عن الكتابة ويختفي عندما يتعلق الأمر بمبدأ الإنسانية في الحقوق والواجبات الاجتماعية.
فهل يخشى النسق الذكوري من هذا التقسيم الإبداعي التجنيسي بُعدَه القيمي؟ أي الخوف من أن يحتل الإبداع النسائي على مستوى الكتابة، مكانة متقدمة على مستوى تحليل الواقع وفضحه مكتسبا بذلك شريحة كبيرة من المتلقين / القراء والمتعاطفين؟
وبالتالي سيكون لذلك أثر على مستوى فضح أزمة المثقف العربي التي تحدث عنها علي حرب وعبد الله العروي وغيرهما، وما تبع ذلك من دق لآخر مسار في نعش المثقف العضوي الذي انكسر تحت سياط الهزائم المتكررة بدءا من هزيمة 48 إلى سقوط بغداد.
إننا مع مصطلح "الكتابة النسائية" لأنه يؤسس الاختلاف، لأن المرأة تكتب بجسدها الذي ظل لقرون طويلة رمزا للدونية وللضعف وللقهر والاستعباد. وما دام الأمر كذلك فإن ما ينتجه هذا الجسد يكون بالضرورة مختلفا. تقول الساردة في رواية الكاتبة اللبنانية إلهام منصور، التي تحمل عنوان : حين كنت رجلا" ما يلي:
"كانوا يرددون دائما أمامي تعليق جدي لأبي حين ولدت؛ يبدو أنه استغرب الأمر كثيرا، وقال لما أُبلغ أن كنته أنجبت طفلة: "مش معقول، مش معقول، ولدت فعلا؟ انتهى الأمر؟" لم يكن يرى أنه من المعقول أن تأتي بنت بعد ولدين ذكرين. هل سمعت ذلك التعليق الذي حتما لم أفهمه في حينه. ولأنني لم أفهمه رميته في لا وعيي كي يحرك كل سلوكي اللاحق؟" .
وتضيف قائلة : "...صحيح أن صورته هي الآن غائبة عني، لكني ما زلت أسمع الصوت الذي ردد منذ سنين: "مش معقول مش معقول" لأني كل حياتي، حاولت دخول هذا المعقول، وللأسف الشديد لم أنتبه إلا مؤخرا أن هذا الدخول في المعقول لم يكن إلا الخروج منه" .
إن غياب صورة الجد إذا كان يؤشر على الذاكرة الطفولية التي لم تحتفظ بملامح الجد، فإنها تؤشر من جانب آخر على أن الصورة لا أهمية لها ولا تحتل نفس القيمة المعرفية التي تحتلها الكلمة التي نطقها الجد عند ولادة أنثى، وكأن الذاكرة الذكورية رغم مرور قرون وقرون لم تستطع بعد التخلص من ثقافة جاهلية عميقة، كما لم تستطع أن تغتسل من معين الآيات الكريمة : "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون" .
غابت الصورة إذن، وحضرت الكلمة التي ظلت متقدة ومشتعلة، ومن خلالها سيتأسس إبداع المرأة، من خلال "الرفض" من خلال عبارات من قبيل : "مش معقول". ومن خلال حواراتي مع المبدعات وأيضا أبحاثي في هذا المجال –أي إبداع المرأة- وجدت أن أغلبهن قد احتفظ لا وعيهن الطفولي بعبارات من قبيل "مش معقول" إما بشكل مباشر أو عن طريق حكايات الأمهات والخالات والعمات اللائي عملن على تبليغ الطفلات والصبيات عبارات الرفض هاته التي تفوه بها الذكور عندما بشروا بميلاد أنثى. وكأنهن بذلك –أي الأمهات والجدات والخالات والعمات- ينتقمن من هذه الثقافة الفحولية وهذا النسق الثقافي التمييزي، وذلك بتجييش "قبيلة" الإناث وشحنها. وتهييئها للرد على هذا الرفض.
فالعبارة الآنفة الذكر الواردة في رواية "حين كنت رجلا" "كانوا يرددون دائما أمامي تعليق جدي لأبي حين ولدت..." يتضمن معاني الشحن والتدرب على عدم النسيان من خلال عبارة "يرددون دائما"؛ كما تتضمن معاني الإصرار على المواجهة، أي مواجهة الطفلة بالحقيقة المرة، وذلك من خلال عبارة "أمامي" أي في الحضور وليس في الغياب. مع العلم أن الأمهات والجدات والخالات والعمات يدركن بأن طفلة صغيرة لن تعي لحظتها معاني الرفض ودلالاتها، لكن في مقابل ذلك كن يدركن أن ما يزرع اليوم لا يؤتي أكله إلا بعد حين، لهذا قالت الساردة : "لأنني لم أفهمه رميته في لا وعيي كي يحرك كل سلوكي اللاحق"
ويدخل ضمن عبارة "السلوك" فعل الكتابة من خلال تيمات عديدة، لعل أبرزها تيمة "الرفض" وتيمة "الاختلاف".
تقول الساردة :"...هنا وقعت الحادثة التي مازلت أذكرها والتي أعتقد أنها كانت بداية لتساؤلات كبيرة حول شخصيتي. خرجنا من المياه، كنا كلنا عراة تماما، فما كان من أمي إلا أن نهرتني: "يا عيب الشوم". أخذتني بعنف من يدي وألبستني بسرعة اللباس الذي يستر الأسفل من جسدي (...) فعلت ذلك معي وحدي، لم تؤنب إخوتي الصبيان، بل تركتهم يعرضون أجسادهم العارية أمام الجميع، وهم كانوا يتمخترون كالديكة (...) منذ ذلك الحادث تم الربط بين جسدي والعيب. كان أول مفهوم أخلاقي اكتسبته، لكنه مفهوم سيغير مجرى حياتي كلها ؛ جسدي هو العيب. (...) لكن موضع العيب في تلك المرحلة (الصيف الرابع أو الخامس من سني عمري ص 15) كان أسفل البطن فقط إذ أن أعلى الجسد لم يكن مهما، حين نهرتني أمي وصرخت: "يا عيب الشوم" لم تستر من جسدي إلا القسم السفلي، سترت الاختلاف، لأن جسدي في القسم العلوي منه كان تماما كجسد الصبي، إذن لا عيب فيه، لكن هذا العيب الثاني سيظهر يوما وسأستره من تلقاء ذاتي من دون أن يكون لوالدتي دور مباشر في ذلك" .
أبعد هذا –وهو قليل من كثير، وجزء من كل- نبخل على المرأة بأن تكون لها خصوصيتها الإبداعية تسمى باسمها ويشار إليها بجنسها؟
وإذا كانت المرأة تنطلق من جسدها المنبوذ والمقهور والذي يؤشر على الدونية وعلى الاختلاف، فإن كتابتها تأتي حتما مختلفة عنها عند الرجل.
وبالتالي ليس من العسير –كما يقول الناقد حميد لحمداني- "أن نفسر لماذا تمحور المرأة العربية كتابتها حول ذاتها، ذلك أنه في الوقت الذي تكون فيه هويتها موضع تساؤل من طرفها فإنها ستبقى على الدوام مشغولة بتأكيد وجودها ولا يمكن أن يضعف هذا الهاجس الذاتي إلا عندما تختفي الشروط التي تهدد المرأة في حضورها الأنطولوجي" .
ويضيف قائلا : "والمرأة نظرا لتمحورها حول جسدها، فهي تحول هذا الجسد إلى محور للحياة، وعلاقتها مع هذا العالم الخارجي تقدم دائما من منظور علاقة باطنية نفسية" .
وأهم ما يميز هذه الباطنية النفسية التي تحدث عنها الناقد لحمداني هي معاناة المرأة مع جسدها الذي رفضت الثقافة الذكورية ونسقها الاجتماعي إدخاله في باب "المحذور واللامعقول".
إنها معاناة وصلت بالساردة في رواية "حين كنت رجلا" إلى درجة الكره، مفسرة ذلك بما يلي : "هذا الكره لم يكن متعلقا فقط بما يميز جسدي عن جسد الذكر، بل ما كان يزيد من عمقه هو أن هذا الاختلاف كان يتجلى اختلافا في الحقوق والواجبات بيني وبين إخوتي الصبيان (...) كل ذلك جعلني أكره ذاتي وأكره الساعة التي ولدت فيها أنثى. كنت أردد دائما في سري : "ليتني لم أولد" .
وهكذا يؤدي "الاختلاف" و"اللامعقول" إلى كره المرأة لذاتها إلى درجة تتمنى الموت، وهو مؤشر على الخلل الذي يتخبط فيه النسق الثقافي المنتج حول المرأة في العالم العربي المعاصر، وهو ما اعتبره نصر حامد أبو زيد في كتابه "دوائر الخوف" ، بأنه "خطاب في مجمله طائفي وعنصري بمعنى أنه خطاب يتحدث عن مطلق المرأة / الأنثى ويضعها في علاقة مقارنة مع مطلق الرجل / الذكر (...) إنه النسق الفكري الذي يعتمد أساسا على هيمنة عنصر "الذكر" لا على تفاعل حقيقي بين الذكر والأنثى" .
وهكذا "في عصور التأخر والانحطاط يتم إخفاء "النساء شقائق الرجال" ويتم إعلان "ناقصات عقل ودين". ويتحول تحريم اللقاء الجنسي خلال فترة "الحيض" إلى تحريم الحديث معها ومشاركتها الطعام عودا إلى محرمات "التابو" الأسطورية. ويتم استدعاء قصة خروج آدم من الجنة في صياغتها التوراثية، حيث تتوحد حواء بالحية وبالشيطان" .
ولا تؤدي الدلالات الدونية لعبارة "أنثى" فقط إلى كره المرأة لذاتها، بل إنها تدفع بها إلى التنكر لأنثويتها، والسعي نحو التحول القهري إلى التشبه بالرجل، والتمرد على اللغة بإسناد "التاء" إلى لفظة "رجل" : منذ ذلك الحين بدأت أكره جسدي، بدأت أتنكر لأنثويتي لأنها تجسد العيب. هل كان هو الحادث الذي جعلني أسير على درب الرجولة، هل كان هو الحادث الذي بدأت به ومعه أتحول إلى رجلة؟ ربما" .
وكأن إلهام منصور بهذا الانقلاب ضد اللغة وضد جسدها تعيد من جديد المحاولة التي قامت بها نازك الملائكة عندما اقتحمت مملكة الرجال "أقصد نازك المرأة الأنثى التي حطمت أهم رموز الفحولة وأبرزت علامات الذكورة وهو عمود الشعر" .
لقد حاولت إلهام منصور من خلال الملحق المرفق بالرواية إعادة الاشتغال على مصطلحات من قبيل "المرأة" و"الرجل" و"الأنثى" و"الذكر" باحثة عن نقطة وسط تعيد لفظ امرأة واستبداله ب"إنسي". قد لا نتفق مع إلهام منصور في هذا الطرح ، لكننا جميعا ولا شك، نتفق بأن هذا الطرح هو نتيجة هذا الصراع الداخلي الواضح والمعلن أحيانا الغامض والمكبوت أحيانا أخرى في السرد النسائي جراء الإسقاطات الدونية لعبارة "أنثى".
ومن أجل إنجاح مشروع التحول إلى "رجلة" أهملت الساردة في رواية "حين كنت رجلا" –أولا- اللعبة التي صنعتها من القماش الملون والقطن لتكون ابنتها ... تلميذتها...أختها، وخاضت –ثانيا- في اللعب مع الصبيان: تتسلق الأشجار، وتركض مع جهد خارق من أجل التفوق على الذكور مع مواجهة محاولات الصبيان لإقصائها لأنها مختلفة، و-ثالثا- الإثبات للأهل ولنفسها بأن الاختلاف في الجسد لا ينتج اختلافا في الذكاء، حيث اختارت التفوق في الرياضيات "وأصبح همي أن أتفوق في الدراسة كما يفعل أخي البكر الذي لم يحتل يوما إلا الموقع الأول (...) بدأت باكرا أميل إلى الرياضيات التي تشكل الحيز الذي ينجح فيه الصبي أكثر من البنت. هل كنت أحب الرياضيات بسبب ميل طبيعي أم كنت أحبها تحديا؟ لا أدري، لكني أصبحت لاحقا مميزة فيها إلى درجة أن أحد الأساتذة، بعد أن أنهيت صف البكالوريا، كان يقول : "لقد مر عندي تلميذان مميزان هبى وأحد الشبان في مدرسة الصبيان" كان يدرس فيها. مرة أخرى حين علم مني أنني أدرس علم النفس في الجامعة قال لي بكل جدية : "هبى لقد أخطأت الاختيار، كان عليك أن تتخصصي في الرياضيات" لم يكن يعلم لماذا اخترت علم النفس" .
في هذا المقطع السردي يتجلى الصراع الداخلي للأنثى مع كينونتها ووجودها، (ومن أهم سمات هذه الكينونة وهذا الوجود من دون شك هو التحصيل العلمي) حيث أدى إلى ضبابية في الرؤى حول الاختيارات الممكن انتقاؤها من أجل إثبات الذات، فالساردة لا تعلم هل حبها للرياضيات كان ميلا طبيعيا أم كان بدافع التحدي...تحدي الآخر الأسرة وخاصة الذكور منهم. ويتعزز هذا الاختيار أكثر، من خلال التفوق في مادة الرياضيات، وذلك بشهادة الأستاذ. لكن هذا "التفوق" الذي يتمظهر كمفتاح لهذا التخبط الداخلي لا يجيب عن السؤال الذي طرحته الساردة في المقطع الآنف الذكر، أي هل اختيار الرياضيات كان عن حب وبسبب ميل طبيعي أم كان تعبيرا عن التحدي؟
وهكذا تضاءلت القيمة السردية لتيمة "التفوق" باعتبارها كانت ستكون نواة سردية، لبناء مشروع سردي لصراع الذات مع الآخر، من خلال البحث على نقط قوة هذا الأخير، من أجل إخضاعها للتجريب. تكسرت إذن هذه التيمة أمام تحد آخر وهو التوجه نحو دراسة علم النفس بالجامعة بعد الحصول على البكالوريا بتفوق. لينفتح بالتالي السرد على واجهة أخرى وهي القارئ المتلقي، من خلال قول الساردة عندما انتقد الأستاذ هذا الاختيار بدل الرياضيات: "لم يكن يعلم لماذا اخترت علم النفس" تاركة بذلك للقارئ إمكانية المشاركة في بناء السرد، وذلك بالربط بين الصراع الداخلي للأنثى كمعاناة وجود وكينونة وبين دراسة علم النفس.
يؤشر الأستاذ (الذي لم يكن يعلم لماذا اختارت الساردة علم النفس) على الرجل / الذكر / الآخر وبالتالي، كثر الذين هم من جنس الأستاذ لا يعلمون العالم الداخلي / الخفي الذي يشكل بؤرة صراع وجودي عند المرأة. وإذا لم يتم كشف وفهم هذا العالم الداخلي المتصارع، فإنه لا يمكن فهم اختيارات الأنثى، التي قد تلجأ إلى أساليب ملتوية لتحقيق ذاتها، وهو ما عبر عنه محمد عبد الله الغدامي ب"القناع" و"اللعبة".
ففي الملفوظ السردي "لم يكن يعلم" هناك إحالة على سؤال خفي "لم يكن يعلم ماذا؟" وهذا ال"لماذا؟" هو الذي أرادت الساردة فهمه معرفيا وعلميا من خلال دراسة علم النفس الذي يشرح النفس الإنسانية بصفة عامة.
ولكنها لم تكشف للأستاذ سبب هذا التحول من الرياضيات إلى علم النفس...لم تكشف لماذا؟ وذلك كي تتمكن من حماية مشروعها : فهم النفس البشرية. ولأنها "وجدت أنها تجيب على عدد كبير من الأسئلة" .
إنه القناع الذي تمارسه الأنثى اتقاء ردود فعل الفحولة والذكورة، تماما كما فعلت نازك الملائكة عندما أرادت حماية مشروعها وهو تحطيم رمز الفحولة عمود الشعر "هذا قناع ثقافي وقائي تستعمله المرأة لكي تعبر ذلك الطريق الطويل الشائك وسط إمبراطورية الفحولة" ، "وهذه لعبة –لا شك- أن المرأة المثقفة لجأت إليها دائما، لتحتمي بها وهذا ما تكشف عنه إحدى رسائل مي زيادة إلى باحثة البادية حيث نقرأ قولها : (أسيادنا الرجال...أقول "أسيادنا" مراعاة بل تحفظا من أن ينقل حديثا إليهم فيظنوا أن النساء يتآمرون عليهم ... فكلمة "أسيادنا" تخمد نار غضبهم.. إني رأيتهم يطربون لتصريحاتنا بأنهم ظلمة مستبدون" .
لقد سعت الساردة إلى تحطيم "تمثال" الأنثى الذي صنعه المجتمع وأسبغ عليه مقاييس الجمال ورموزه، وأهمها "الشعر"، رمز الأنوثة :"كان شعري طويلا جدا ومحط أنظار وإعجاب كل من يعرفني جلست على الكرسي عند الحلاق الذي كان يتحضر ليقوم بعمل فني مميز، بعد تردد قصير طلبت منه أن يقص شعري، تجمد للحظة ثم قال :"تمزحين طبعا، على كل حال أنا لا أجرؤ على قص شعر كشعرك هذا".
- أنا لا أمزح، إني جادة جدا، إن لم تفعل فسأذهب إلى حلاق آخر" قلت :"ذلك وكدت أنفجر بالبكاء، لكني تمالكت أعصابي وأصررت على طلبي.
- هل أقصره قليلا؟ هل أقص أطرافه؟
- لا تقصه قصيرا جدا ما عدت أريده.
حاول الحلاق عبثا إقناعي بالعدول عن قراري لكني تمسكت به، وحتى الآن لا أدري لماذا صببت غضبي تلك الليلة على شعري.
أحسست في حينه أن شعري هو رمز أنوثتي وكنت أود إلغاءها، لماذا؟ أ لهذه الدرجة أكره ذاتي؟ كل ما أذكره هو أني كنت كتلة غضب، وكدت انفجر إنه كان علي القيام بشيء ما غير عادي، بشيء يحدث صدمة عند الجميع، كنت بالأحرى أريد أن أصدم نفسي أن أعاقبها على تخاذلها، على ضعفها، على ما لست أعرف ماذا بالتحديد. كنت في قمة الغضب، لا بل الجنون" .
تتنازع هذا المقطع السردي انفعالات نفسية تؤثر على التشكل اللغوي للحكي : فالشعر الطويل يقابله أنظار وإعجاب الآخرين، وهو ما يكشف حالة صراع ذاتي/داخلي مع آخر خارجي ترفضه الساردة وترفض بالتالي الخضوع للصورة المثالية للأنثى (أي ذات الشعر الطويل). ومن ناحية أخرى يقابل الإصرار على طلب قص الشعر بالرغبة في الانفجار بالبكاء. لأن الساردة تدرك في وعيها أن وأد هذا الجزء من الأنوثة يتم بسبب ضغوط خارجية ترغمها على الثورة ضد ذاتها التي ترى أنها تمثال، يعلق عليه المجتمع مقاييسه الجمالية دون الانتباه إلى العمق الداخلي للأنثى، وهو ما أشارت إليه الساردة في قولها: "لماذا التركيز على جمالي وإهمال النواحي الأخرى عندي كأنها ثانوية بينما بالنسبة إلى أخي الأكبر كان التركيز على شطارته في المدرسة، والآن في الجامعة حيث يدرس الحقوق وحيث هو الأول دائما وبامتياز. لماذا الافتخار بجمالي أنا؟ أخي أيضا شاب وسيم لماذا لا يركز على هذه الناحية فيه؟ لماذا أشيأ وهو يؤنسن؟ لماذا أختصر أنا بواجهتي وهو يقيم بقدراته (...) لعن الله تلك الساعة التي ولدت فيها أنثى" .
إن إلغاء الذات الأنثى من خلال إلغاء الشعر الطويل، لا يحدث إشباعا نفسيا عند الساردة، ولا يحقق لها هدفها المنشود، وهو الإحساس بالحرية في اتخاذ القرارات وفي أن تغير بذاتها / مظهرها، ما يحلو لها هي، لا يما يحلو للمجتمع أن يراها عليه، ذلك أن أسئلة من قبيل، لماذا؟ أ لهذه الدرجة كنت أرفض ذاتي؟ أ لهذه الدرجة أكره ذاتي؟ بالإضافة إلى التبريرات غير المقنعة : كان علي القيام بشيء ما غير عادي / يحدث صدمة عند الجميع/ كنت بالأحرى أريد أن أصدم نفسي / أن أعاقبها على تخاذلها على ضعفها، على ما لست أدري بالتحديد، يكشف معاني التمزق والتخبط والرغبة في معاقبة الذات المتخاذلة الضعيفة، وكذا انشطار الذات أمام ما تطرحه كلمة "أنثى" من معاني ودلالات. ونجد هذا التمزق الذاتي وكذا والانشطار بين الأنا والآخر عند عدد كبير من الكاتبات اللائي رصدن حكايات النساء وآليات تدمير رمز الأنوثة وهو الشعر الطويل. فالكاتبة الجزائرية فضيلة الفاروق في روايتها "مزاج مراهقة" ترصد هذا الصراع الداخلي للأنثى مع العالم الخارجي فتلجأ إلى ذاتها لتدمرها ولتصدمها إن شئنا استعمال تعبير إلهام منصور. تقول لويزا بطلة "مزاج مراهقة" : "كان بودي أن أمزق الجلباب أيضا وأرميه في وجهه ولكنني تمالكت نفسي، وعدت إلى البيت مكشوفة الرأس، وبمجرد وصولي، أخذت مقصا، وجلست أمام المرآة، وقصصت شعري أقصر ما يمكن (.......) قالت لي زيتونة وهي تضحك : أظنك أصبت بالجنون.
فقلت لها والغيظ يلف حبلا حول عنقي:
سأكون مجنونة إذا تقبلت جسد الأنثى الغبي الذي يكبلني" .
ما بين لبنان والجزائر مسافات بآلاف الأميال، لكن السرد يكشف هشاشة هذه المسافات في مقابل حجم معاناة المرأة مع أنوثتها، حيث تُظهر اللغة الجماعية للكاتبات العربيات البعد الدلالي لواقع الأنثى في عالمنا العربي. "ما أتعس أن يكون الفرد امرأة عندنا! فكل طموحاته تتوقف عند عتبة تاء التأنيث..." .
لقد لاحظنا من خلال ما سبق تحليله وتقديمه من نماذج سردية، ارتباط ثورة المرأة ضد أنوثتها بعبارة "الجنون" سواء في رواية إلهام منصور أم رواية فضيلة الفاروق وغيرها وهو لا شك مؤشر خطير على هذا الصراع بين قبول المرأة لأنوثتها بمقاييس المجتمع المنحصرة في الشكل والإطار.
إن الغموض والوضوح في السرد النسائي من خلال عبارة "أنثى" لا يتمظهران في كلمة أو في جملة، ولا في بناء الأسلوب وتداعياته الاستعارية والتشبيهية والبلاغية. بل يتمظهران من خلال الأنساق والعلائق الاجتماعية وانتظامها داخل البنيات الذهنية.
فغموض هذه الأنساق والعلائق يولد غموضا على مستوى تشخيصها إبداعا. ويظل الوضوح استثناء إلى حين.
الأربعاء، 17 ديسمبر 2008
الكتابة النسائية
الكتابة النسائية
أسئلة كثيرة طرحت حول موضوع" الكتابة النسائية" . هل المقصود بها كل ما تكتب المرأة حول معيشها اليومي في تناقضاته و خصوصياته ؟ هل معنى" الكتابة النسائية" استصدار قانون للكتابة جديد في لغته و أسلوبه في مواجهة الكتابة الذكورية ؟ وهل تجوز مثل هذه القسمة في الأدب ؟ هل الاصطلاح على الكتابة ب "النسائية " معناه أنها ذات منحى نسوي ، كما ظهر في الغرب ، أي الذي ينتصر للمرأة و للمرأة فقط؟
كيف عالج النقد ظهور" الكتابة النسائية " وكيف تعامل مع هذه اللغة الوافدة على عالم الكتابة كما تعارف عليها الرجال ؟ لماذا حوربت المرأة/ الكاتبة ؟ و لماذا وصفت كتاباتها بأنها ضعيفة لغويا ، ومرتبطة بالإنجاب والحب و الرجل ، والعالم الصغير للمرأة ، ولم تتمكن من طرح المواضيع والقضايا الكبرى ؟ كيف تتميز وتختلف الكتابة النسائية من كاتبة إلى أخرى عبر العالم ؟ وهل الكتابة النسائية في الغرب و أمريكا و الصين و اليابان و إفريقيا لها ما يجمعها بالكتابة النسائية في العالم العربي ؟ إنها أسئلة كثيرة سنجيب على بعضها نظرا لضيق المقام، وقد نعود للأخرى في مناسبة قادمة.
الكتابة و الممانعة.......و ثقافة الوهم
يعتبر الناقد السعودي عبد الله محمد الغذامي ، من النقاد القلائل جدا ، الذين اشتغلوا بكل جدية وموضوعية على " خطاب المرأة ". ويكاد ينفرد بأسلوبه في قراءة التاريخ ، و استحضاره لفهم الظروف و الملابسات المحيطة بالمنع الممنهج عبر التاريخ و الذي مورس على المرأة لمنعها من ولوج عالم الكتابة ، و مزاحمة الرجال على مملكة اللغة التي حصنت ضد أي دخيل لا ينتمي إلى نفس الجنس .ومن هؤلاء يذكر الغذ امي خير الدين نعمان بن أبي الثناء الذي صاغ قانونا لمنع النساء من الكتابة ، ضمنه ثنايا كتابه المعنون ب" الإصابة في منع النساء من الكتابة "، حيث أوصى قائلا: ( أما تعليم النساء القراءة و الكتابة فأعوذ بالله ، إذ لا أرى شيئا أضر منه بهن ، فإنهن لما كن مجبولات على الغدر كان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الشر و الفساد .و أما الكتابة فأول ما تقدر المرأة على تأليف الكلام بها فإنه يكون رسالة إلى زيد و رقعة إلى عمر ، وبيتا من الشعر إلى عزب ، وشيئا إلى رجل آخر . فمثل النساء و الكتب و الكتابة، كمثل شرير سفيه تهدي إليه سيفا أو سكير تعطيه زجاجة خمر فاللبيب من الرجال من ترك زوجته في حالة من الجهل و العمى فهو أصلح لهن وأنفع ) . إنه كلام يحصن المحصن، و يدفع الخطر عن مملكة الرجل اللغوية.
ويلتقي فكر خير الدين نعمان مع فكر الجاحظ في اعتبار الكتابة عند المرأة،إنما هي وسيلة جنسية تفتح علاقات العشق . وهو لايسميها "كتابة " بل"مكاتبة" . أما" الكتابة " فهي للرجل وهي تزيده قيمة و شرفا. ولا يخرج الفرزدق عن هذا الخط ، بل يزيد من تقوية هذا النسق الثقافي الفحولي الذي يلغي الصوت الآخر ؛ وهو القائل في امرأة قالت شعرا :" إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فاذبحوها " .
و يضع عبد الله الغذامي مقاربات حول المرأة والجسد واللغة ، من خلال ما سماه ب "ثقافة الوهم " ، أي ثقافة ذاك النسق الذي يلغي الآخر / الأنثى ، ويعتبرها جسدا غير فاعل بل مفعول به .فإذا كان الجسد المذكر يمثل اللغة والتاريخ ، فإن الجسد المؤنث في النسق الثقافي الفحولي حسب الغذامي هو قيمة ذهنية معلقة في فضاء اللغة وفضاء التاريخ يقول الغذ امي بهذا الخصوص :" ولكي نتصور هذه المفارقة فلنتذكر صور الأنثى من حيث هي نماذج كلية ، ولنأخذ نماذج المرأة في العصر الجاهلي :
1-الموءودة
2-المعشوقة
3-الصنم المعبود
فالموءودة تقتل قبل أن تتكلم وتأتي بالتالي بالعار . والصنم المعبود كمناه و لعزى و اللات هي كائنات خرساء لا تنطق ولا تفعل ؛ وتتمظهر المعشوقة من خلال ليلى وعزة وبثنية كائنات هلامية لايسمع لهن صوت ولا وجود فاعل لهن ، لأن اللغة لم تردهن للكلام و إنما أرادت سكوتهن وتعليقهن في سماء الخيال المجنح"(ص 39 /ثقافة الوهم)
الأنثى الإرهابية و قبيلة الإناث
ليست كل أنثى" إرهابية " لكنها كذلك كل من تجرأت على مؤسسة الفحول و حاولت أخذ( بالقوة ) ما ليس من حقها وهي اللغة .
اللغة إذن خط أحمر ، وكل محاولة لتجاوزه تعرض الأنثى لأشد العقوبات. وكل من تخول لها نفسها استعمال لغة الفحول فهي بالتأكيد حمقاء؛ وهذا ما حدث مع امرأة اسمها جهيزة يقال إنها دخلت على محفل يصطخب بالخطباء والمتحدثين حول أمر مقتل أحد أفراد العشيرة وبينما هم في خطب وعصب فجرت جهيزة لسانها المؤنث ، وأبلغت الجميع أن القاتل قد لاقى مصيره وقتل . وهنا سكت الجميع .وجاء المثل الرائع "قطعت جهيزة قول كل خطيب" ، ولا عيب في هذا المثل سوى أن بطلته أنثى ؛ وفسر الميداني صاحب مجمع الأمثال هذا المثل حيث قال عنه إنه يطلق دليلا على حماقة المرأة(عبد الله الغذ ا مي/ ثقافة الوهم ).
اللغة والجسد:
لقد رسخ النسق الثقافي العربي (منذ الأزل) في العقول و العقليات أن اللغة هي مملكة الرجل و محميته ، وأن العقل واللغة هما الحسنين و قد اجتمعا في الرجل . أما الأنثى فهي مجرد جسد يستقبل هذه اللغة ، ولا يفعل فيها ؛ لأنه جسد" فارغ " من "العقل" ، وينبغي أن يظل كذلك إذا أراد أن يحظى بالجمالية ، وبالحسن والبهاء . وعلى الأنثى أن تكتفي بقول ما هو طريف من أخبار ونكات و دعابات تماما كما كانت تفعل الجواري ، حيث يزداد ثمنها عند البيع كلما كانت حافظة للأخبار والمرويات و غيرها من عناصر الثقافة ، التي تؤنس بها مجمع الرجال و مؤسستهم . ولا بد بالإضافة إلى ذلك أن يكون الجسد ممشوقا و جميلا. وقد عملت اللغة الفحولية على كشف تضاريس الجسد الأنثوي وتجريب مختلف الأصناف البلاغية والمجازية من اجل اختبار قدراتها ومناطق الضعف والقوة فيها . وقد أكد الجاحظ ذلك في رسائله " ومن يشك أن عين المرأة الحسناء أحسن من عين البقرة وأن جيدها أحسن من جيد الظبية ن والأمر فيما بينهما متفاوت .لكنهم لو لم يفعلوا هذا وشبهه لم تظهر بلاغتهم و فطنتهم ".
وحافظ على نفس النسق الثقافي بعد مئات السنين نزار قباني الذي ورثه ، وحافظ على الأمانة في اتخاذ جسد المرأة مطية للتجريب اللغوي ، و أنها من دونه لا قيمة لها :
ليس لك زمان حقيقي خارج لهفتي
أنا زمانك
ليس لك أبعا د واضحة
أنا أبعادك كلها (ديوان مائة رسالة حب)
وأنها جسد بلا لغة، وحده جسدها الذي يجب أن يفعل "يتكلم" لغة أخرى غير اللغة الأبجدية:
كنت يا سيدتي خرساء قبلي
و بفضلي
صار نهداك يجيدان الكلام (ديوان كتاب الحب)
وعليها أن تشكر "الشعر" لغة وقلعة الرجل لأنها بفضله أصبح لها ذكرا :
اشكري الشعر كثيرا
أنت لولا الشعر ، يا سيد تي
لم يكن اسمك مذكورا
بتا ريخ النساء
بل إن النسق الثقافي على امتداد قرون حافظ على نفس النظرة ، و دافع عنها عبر الأجيال ، واستمر في دعم نفس البنية الدلالية . ولنأخذ كمثال على ذلك الفئة العمرية ما بين الرجل والمرأة . فإذا كان بن عبد ربه يقرر أن" آخر عمر الرجل خير من أوله ، يتوب حلمه ، وتثقل حصاته ، وتحمد سريرته ، وتكمل تجاربه . وآخر عمر المرأة شر من أوله ، يذهب جمالها و يذرب لسانها وتعقم رحمها (طبائع النساء) فإن الابن البار نزار قباني حافظ على نفس التوصيف ، وباركه ، وأضاف إليه أبياتا شعرية ، ليشكل النثر والشعر معا شهادة رمزية حول جسد المرأة الذي يفنى بسرعة ولا يبقى من بريق أنوثته سوى بضع سنوات ،إذا انقضت بانقضاء شبابها لم يلتفت إليها أحد :
فغدا شبابك بنطفي مثل الشعاع المضمر
وغدا سيدوي النهد والشفتان منك فأقدمي
وتفكري بمصير نهدك بعد موت الموسم
وهكذا يتفنن النسق الثقافي في تشكيل لغته الرافضة للآخرين ، خصوصا" النسق الشعري " هذا النسق الذي نجده في خطاب الشعر القديم منه والحديث ، التقليدي والتجديدي . نجده عند الفرزدق وجرير ، وأبي تمام والمتنبي ، مثلما نجده عند نزار قباني وأدو نيس .بل إننا نجده في الخطاب العقلاني كما هو في الخطاب الشعري و الخطاب السياسي و الإعلامي "( الغذامي /النقد الثقافي) .
لقدساهم الشعر في انتقال هذا النسق إلى أن شمل كافة نواحي الحياة العامة و الثقافية و طرق التفكير و السلوكيات، حيث تشكلت فحولة القبيلة من خلال البطش والظلم كقول عمرو بن كلثوم :
بغاة ظالمينا وما ظلمنا****وكنا سنبدأ ظالمينا
ونحن الحاكمون إذا اطعنا****ونحن العازمون إذا عصينا
ألا لا يجهلن أحد علينا****فنجهل فوق جهل ا لجاهلينا
ويضخم المتنبي "الأنا " ويقول :
وإني أنا النجم تهتدي بي صحبتي***إذا حال من دون النجوم سحاب
يرصد إذن عبد الله الغذامي هوية اللغة النسقية موضحا أن "الجملة النسقية هي إياها يحملها لنا ويغرسها فينا النسق الشعري المهيمن و المشعرن لكل سماتنا الشخصية الثقافية (......) كما أن صفة الآخرين المتعالي عليهم تشمل كل من هو خارج الطبقة، وأدنى الجميع هو الأنثى.و يجري دائما تحقير الأنوثة وهو معنى نسقي جوهري "(الغذامي / النقد الثقافي).
100 عام من الرواية النسائية العربية
تحت هذا العنوان كتبت بثنية شعبان كتابها( الصادر سنة 1999) الذي رصدت فيه فترة زمنية مهمة من الكتابة عند المرأة على امتداد 100عام، حيث رصدت ظهور الرواية العربية على يد كاتبات لبنانيات منذ 1899حين نشرت زينب فواز روايتها الأولى" حسن "العواقب".بعدها أصدرت لبيبة هاشم روايتها "قلب الرجل" سنة 1904؛ مع التذكير بأن النقاد اتفقوا على أن أول رواية عربية ظهرت كانت لمحمد حسين هيكل تحت عنوان "زينب" باعتبارها أول رواية في الأدب العربي.
وقد لاحظت الكاتبة أن عبارة" امرأة عربية كاتبة" لاتحمل تشجيعا للمرأة في العالم العربي ؛ بل حتى بين الكاتبات العربيات أنفسهن: " والسبب الرئيسي هو أن مفهوم هذه العبارة يتضمن تمييزا ضد الكاتبات النساء يتجاوز بالضرورة الظلم الاجتماعي ، الذي تتعرض له النساء في الحقل الأدبي .ولذلك فإن الكاتبات عبر العالم العربي كن طوال عقود متحمسات لرفض تصنيفهن بأنهن كاتبات نساء .مفضلات أن يوصفن ببساطة بأنهن "كاتبات" على أمل أن ينلن بهذا معالجة أكثر جدية وموضوعية لنصوصهن"(100 عام من الرواية النسائية). وترى بثينة شعبان بأن النقاد العرب يتحملون جزءا من المسؤولية في هذا الشعور اليائس لدى المرأة الكاتبة ، لأنهم يتعاملون مع الأعمال التي كتبتها النساء بأحكام مسبقة واصفين هذه الأعمال بأنها عبارة عن سير ذاتية تعالج موضوع الحب والزواج والأطفال أو الحرمان منها .وبالتالي فإن هذه الاهتمامات لا علاقة لها باهتمامات الجمهور .وهم يقصدون بالجمهور ، جمهور الذكور .ولهذا انزلقت معظم الكاتبات نحو تبني( بدافع الخوف) اختيار بطل ذكر لرواياتهن بدل بطلة امرأة : "وذلك كي يضفين على روايتهن خبرة اجتماعية أعمق وأوسع ، وكأن النساء لايمكن أن يمتلكن مثل هذه الخبرة . ويمثل هذا الموقف أعلى درجات الاستلاب، لأن المرأة الكاتبة في هذه الحالة تروج بصورة غير متعمدة لاستلابها وتدني منزلتها"(100 عام من الرواية العربية).
وقد اعترفت لطيفة الزيات،في السنوات الماضية بأن سبب رفضها تعريف نفسها بأنها امرأة كاتبة و اعتناقها علنا لقضايا النساء كان الخوف من تصنيفها على أنها كاتبة من الدرجة الثانية .لكن الخلاصة التي توصلت إليها بثينة شعبان بعد جمعها لكم هائل من الروايات التي كتبت من طرف نساء هي" أن مواضيع الروايات التي ناقشتها في هذا الكتاب ، ترسخ حقيقة هامة جدا يجب تذكرها دائما عند البدء في دراسة أعمال النساء ، وهي انه من الخرافة اعتبار أن اهتمامات النساء منحصرة في الأسرة والحياة المنزلية. و الحقيقة أن النساء العربيات في الروايات المدروسة هنا يعبرن عن وجهات اجتماعية وأخلاقية وسياسية مختلفة جدا عن التي كتب عنها الرجل "(100عام من الرواية النسائية).
ركزت بثينة شعبان في كتابها على عناصر مهمة ،منها: تهميش الكتابات النسائية و رفض النقاد لمصطلح " أدب نسائي" في مقابل أدب رجالي ، راصدة البدايات الأولى للروائيات العربيات وبحثهن عن المساواة من خلال ما يكتبن .يظهر ذلك من خلال العناوين التي تختارها الكاتبات لرواياتهن ، والتي من خلالها يعلن هذه الرغبة في الإصلاح و التغيير ؛مثل "الجامحة" لأمينة السعيد ،و" كفاح امرأة" لكاترين معلوف داغر ، و" إصلاح" لعزيزة الإبراشي و" مذكرات زائفة" لفتحيه محمود الباتع و" عام الفيل" لليلى أبو زيد و" أنا أحيا"لليلى بعلبكي.................
لقد رصدت بثينة شعبان في كتابها انشغال الكاتبة العربية بأمور الأمة العربية و أزماتها ، خصوصا مابين 1960و1967 حيث وصفت ما يطرأ على المجتمع العربي من تغيرات اجتماعية وسياسية من وجهة نظر مغايرة للتيار السائد، وهو نفس التيار الذي مارس عليها فعل الممانعة و الاضطهاد والقمع . نذكر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر : "الباب المفتوح"للطيفة الزيات(مصر) و" ثلوج تحت الشمس" لليلى اليافي( سورية) و"فتاة تافهة"لمنى جبور (لبنان)و"كفاح امرأة" لكاترين معلوف داغر (لبنان) و" ليلة واحدة"لكوليت خوري (سورية) و" نهاية عابرة" لحياة بيطار (لبنان) و"طيور أيلول"لإميلي نصر الله(لبنان) .وشكلت حرب 1967 منعطفا آخر في الكتابة عند المرأة حيث تعاطت مع تداعيات حرب67 من وجهة نظر مختلفة عن تلك التي تعاط معها الرجل ، خصوصا على مستوى تفاعلات الأقلام مع هذه الحرب .ففي الوقت الذي سمى الرجل نتيجة الحرب ب"النكسة" سمتها المرأة ب "الهزيمة" "، حيث أعطت للأشياء مسمياتها الحقيقية.صحيح أنها لم تشارك في الحروب، ولكنها عالجت عن قرب الوقع المرير للحروب التي عرفتها البلاد العربية على امتداد سنوات.ومن بين من كتب في الموضوع تذكر بثينة شعبان : "دمشق يا بسمة الحزن" لألفت الإدلبي (سورية) و" عصافير الفجر" لليلى عسيران (لبنان)و" الدوامة" لقمر كيلاني(سورية)و" وداع مع الأصيل" لفتحية الباتع(فلسطين) و"تشرق غربا" ليلى الأطرش (الأردن)و" سأمر على الأحزان " لبلقيس الحوماني(لبنان) و" ليلة المليار" لغادة السمان(سورية).وفي نهاية دراستها خلصت بثينة شعبان إلى أن هذه الدراسة أثبتت بما لايقبل الشك "أن المرأة العربية هي أول من كتب الرواية ، وفتحت الباب على مصراعيه لكاتبات وكتاب المستقبل ، وقد تطور هذا الفن مع تطور قدرات المرأة على الكتابة و الإبداع .وخلال مسيرة قرن من الزمن عايشت الروائيات العربيات بعمق وشفافية الهموم الاجتماعية والسياسية العربية "(100 عام من الرواية النسائية).
اللغة و المجتمع في السرد النسائي العربي
(الحقل المعجمي والبعد التواصلي)
لم يتعاط النقد الأدبي بشكل مكثف مع اللغة وأبعادها الدلالية من خلال دراسته للسرد النسائي، إلا ما نذر، كما أنها لم تحط بشكل كاف بخبايا العلاقة بين اللغة والمجتمع في بعدها المعجمي وفعلها التواصلي.
يكتسي الحقل المعجمي أهمية كبرى في الدراسة الأدبية و اللسانية ،و أهمية خاصة في السرد النسائي.لأن الدراسة المعجمية تضيء مناطق الظل في اللغة أي الجزء الأكبر من العالم الذهني. ويؤكد بلوخ و لوسيان فيبر على أهمية الدراسة المعجمية على مستوى دلالة الحقول والكلمات المفاتيح.
وتحتل المعجمية كما يقول "ماطو ري" وضعية خاصة، ذلك أننا نجد أنفسنا في كل العلوم التواصلية خاصة في علم اللغة وفي المعجمية أمام مشكل مزدوج: مشكل الشكل ومشكل المعنى. ولا بأس من التنبيه إلى ما تقدمه نظريات التواصل في هذا المجال ، فاللسان يشبه علامات الطريق ، ومختلف مظاهر الحياة الاجتماعية ، يشتغل كنسق دلالي و كنظام رمزي ،يبعثه مرسل معين و يفك شفرته المرسل إليه ، وبالتالي فالرسالة تفسر على أكثر من شكل .
من هنا أهمية دراسة الخاصية الاجتماعية للمفردات عند الكاتبات العربيات لأنها تساعد أكثر على تحليل اللغة و الأسلوب . ونستحضر هنا على سبيل الذكر لا الحصر نماذج من معاناة الذات الساردة /الكاتبة مع لفظة من قبيل "أنثى" التي تؤثث الفضاء السردي عند عدد مهم من الكاتبات ،ومنهن نذكر الكاتبة اللبنانية إلهام منصور من خلال روايتها" حين كنت رجلا" حيث تتخبط" الأنثى" مابين حالات تأنيب وتعذيب للذات" الأنثى" وبين تعنيفها على مستوى بعض رموز هذه "الأنوثة دون معرفة الأسباب المقنعة ولا المبررات ، إذ تكتفي" الأنثى "بترديد عبارات : "لبتني لم أولد أنثى " و" لعن الله اليوم الذي ولدت فيه أنثى". و إذا كانت المرأة تنطلق من جسدها المنبوذ والمقهور ، والذي يؤشر على الدونية ، وعلى الاختلاف ،فإن لغتها تأتي حتما مختلفة عن تلك التي يكتب بها الرجل .
وبالتالي ليس من العسير – كما يقول الناقد حميد لحمداني- "أن نفسر لماذا تمحور المرأة العربية كتابتها حول ذاتها ، ذلك أنه في الوقت الذي تكون فيه هويتها موضع تساؤل من طرفها فإنها ستبقى على الدوام مشغولة بتأكيد وجودها و لا يمكن أن يضعف هذا الهاجس الذاتي إلا عندما تختفي الشروط التي تهدد المرأة في حضورها الأنطولوجي ". ويضيف قائلا :"و المرأة نظرا لتمحورها حول جسدها ، فهي تحول هذا الجسد إلى محور للحياة ، وعلاقتها بهذا العالم الخارجي تقدم دائما من منظور علاقة باطنية نفسية ".
و أهم ما يميز هذه الباطنية النفسية ، التي تحدث عنها الناقد لحمداني ، هي معاناة المرأة مع جسدها التي قررت الثقافة الذكورية ونسقها الاجتماعي إدخاله في باب" المحذور" و" اللامعقول".
إنها معاناة وصلت بالساردة في رواية "حين كنت رجلا" إلى درجة كره ذاتها، مفسرة ذلك بما يلي : " هذا الكره لم يكن متعلقا فقط بما يميز جسدي عن جسد الذكر ،بل ما كان يتجلى اختلافا في الحقوق والواجبات بيني وبينه ". وهكذا يعطينا المعجم كلمات من قبيل "الاختلاف" و" اللامعقول" التي تؤدي إلى كره المرأة لذاتها إلى درجة تمني الموت ، وهو مؤشر على الخلل الذي يتخبط فيه النسق الثقافي المنتج حول المرأة في العالم العربي المعاصر.وهو ما اعتبر نصر حامد أبو زيد في كتابه " دوائر الخوف" بأنه " خطاب في مجمله طائفي و عنصري ، بمعنى أنه خطاب يتحدث عن مطلق المرأة / الأنثى ويضعها في علاقة مقارنة مع مطلق الرجل / الذكر إنه النسق الفكري الذي يعتمد أساسا على هيمنة عنصر "الذكر" لا على تفاعل حقيقي بين الذكر والأنثى ".
و لا تؤدي الدلالات الدونية لعبارة "أنثى" فقط إلى كره المرأة لذاتها ، بل إنها تدفع بها إلى التنكر لأنوثتها و السعي نحو التحول القهري إلى التشبه بالرجل،و التمرد على اللغة بإسناد "التاء " إلى لفظة" رجل " : "منذ ذلك الحين بدأت اكره جسدي ، بدأت أتنكر لأنثويتي لأنها تجسد العيب . هل كان هو الحادث الذي جعلني أسير على درب الرجولة، هل كان هو الحادث الذي بدأت به ومعه أتحول إلى رجلة ؟ ربما".
وهكذا بإيجاد الكلمات المفاتيح الخاصة بالمجتمع في فترة معينة ،وباستخراج الشبكة الوظيفية الخاصة بالكلمات الثانوية المتعلقة بهذا المجتمع ، يصبح علم الدلالة نتيجة ملازمة للتاريخ و الإناسة الاجتماعية.وهذا يدفع إلى القول بأن اللغة ،خاصة المفردات ،بالنسبة لمعجمية الحقول ، لاتعبر عن الفكر فقط ، ولكن هي العامل الأساسي في تكوينه وتشكله ؛ وبالتالي فالدراسة المعجمية تقوم على اجتماعية اللغة.
ونجد في رواية فضيلة الفاروق "مزاج مراهقة" نبذ آخر للفظة "أنثى" وهو نتيجة طبيعية لحصار الآخر :" فيما بعد عرفت أن رجال العائلة عارضوا التحاقي بالجامعة (.....) فقد كنا فريسة لسلطة الأعمام و والأقارب و الجيران ....وعابري السبيل أحيانا". أمام هذا الحصار يتم الانقلاب على تاء التأنيث: "ما أتعس أن يكون الفرد امرأة عندنا فكل طموحاته تتوقف عند تاء التأنيث..."(ص12)
تتوحد إذن تاء التأنيث في المجتمع اللبناني عند إلهام منصور مع تاء التأنيث في المجتمع الجزائري عند فضيلة الفاروق و في كل المجتمعات العربية (يضيق المقام عن عرضها هنا بكل تفصيل) ،لتتضخم بالتالي معاناة المرأة مع مجتمع يتقن لعبة اللغة وشروطها ، على امتداد العالم العربي . حيث تصبح لفظة "أنثى" و" تاء التأنيث" عبارة عن" أفعال المجتمع"
(Les faits sociaux)
أو الأفعال الاجتماعية وهي من مصطلحات علم الاجتماع ، التي وردت كثيرا في كتابات دوركايم ، حيث ذكر في كتابه :
)Les règles de la méthode sociologique(
بأن التغييرات الاجتماعية هي أساس التغيرات اللغوية و الدافع إليها ، وأن الظواهر اللغوية ما هي إلا انعكاس للظواهر الاجتماعية، لذلك استعار مصطلح "أفعال" من علم الاجتماع: أفعال المفردات:
) Les faits de vocabulaire)
وأفعال المعجم:
(Les faits lexique)
و الأفعال اللغوية:
(Les faits de langage)
لكن دوركايم اشترط قيودا لهذه الأفعال بحيث يجب أن تكون مفروضة على الشخص من الخارج على وجه الإلزام ، وليست نابعة من محض تصرفه الذاتي ن وأن تكون شاملة لجميع أفراد المجتمع ، وليست خاصة بفرد آو عدد قليل من الأفراد.
إن هذا الشرط الذي اقترحه دوركايم يجد أرضيته الخصبة من خلال وضعية المرأة ، التي
فرضت عليها "أفعال اجتماعية"، انكتبت لغة من خلال السرد. ومادامت المرأة تشكل نصف المجتمع أو أكثر ( حسب الإحصائيات والأرقام التي تعتبر أنه في أغلب المجتمعات تصل نسبة النساء إلى حدود51 بالمائة )فإن الأفعال الاجتماعية تشهد بعدا مضاعفا على مستوى اللغة التي تكتب بها المرأة.
في رواية" بنات الرياض "للكاتبة السعودية رجاء الصانع تتصارع الأفعال الاجتماعية، وتنصهر داخل اللغة كاشفة فعل" المنع" : منع التوقيع بالاسم والاكتفاء بالبصم على عقد القران " أجبرت سديم على أن تبصم في الدفتر الضخم ، بعد ما جوبه بالإهمال احتجاجها على عدم السماح لها بالتوقيع . قالت لها خالتها : يابنيتي ابصمي وبس . الشيخ يقول تبصم ما توقع. الرجال بس هم اللي يوقعون" (ص39). وهكذا يؤشر فعل" الإجبار" دلاليا على فعل "المنع" من القيام بما ترغب في فعله الذات الأنثى ، ويؤشر فعل" الإهمال" على دونية الأنثى ، في مقبل قسمة ظالمة في الواجبات والحقوق بين الرجال و النساء؛ يقرها الشيخ بجعل الرجال هم الموقعون بالاسم على وثيقة الزواج . وبالتالي يصبح فعل" البصم" تعتيما مضاعفا، حيث تتشابه البصمات شكلا( و إن كانت في العمق تميز شخصا عن آخر وتفرده ). وفي المقابل يعتبر فعل التوقيع بالاسم دلالة على الوجود، وعلى الحضور الذاتي، وهو ما تأبى الثقافة الأخرى الاعتراف به كحق من حقوق الأنثى ، ولو كانت هذه الأنثى خريجة جامعة.
يحضر الفعل التواصلي من خلال السرد النسائي، عبر الحقول المعجمية ، التي لايسع المجال للخوض فيها بكل تفصيل. وإذا كان "المرسل" يتمظهر من خلال الساردة عبر مختلف النصوص ، فإن "المرسل إليه" يشكل بالنسبة للساردة / الكاتبة ، عالما من الأفعال الاجتماعية المضادة من وجهة نظرنا الخاصة ، وليس مؤشرا فقط على "المتلقي" /القارئ العادي أو الناقد المتخصص،كما اهتم به كل من هانس جورج كادمير و روبيرت ياووس و فولفغانغ إيزر.وهذه الأفعال الاجتماعية المضادة لتلك التي يطرحها السرد النسائي من خلال الشخوص ،تكشف صعوبة التواصل معها وإقناعها بكذا خطاب حول المرأة.
الكتابة النسائية العربية خارج الحدود
في مؤتمرها السنوي للجنة الأمريكية العربية لمناهضة العنصرية، تم تخصيص مائدة مستديرة لمناقشة بعض أعمال الكاتبات الأمريكيات من أصل عربي.وكان النقاش حول رفض مجموعة من الكتاب والكاتبات لمفهوم الأدب العربي-الأمريكي كنوع مختلف من الكتابة.وقد أكدت الشاعرة والناشرة نتالي حنظل الفلسطينية الأصل ، والتي تدرس بجامعة كولومبيا بنيويورك ،بأن زيارتها إلى فلسطين جعلتها تقف على الوضع الصعب الذي تعيشه مدينتها ومسقط رأسها "بيت لحم"، وكذلك القدس المدينة التوأم لها، والتي لم تتمكن من الذهاب إليها بسبب الحائط الذي يفصل بين الإسرائيليين و الفلسطينيين.واصفة الوضع بأنه عزلة لاتصدق .وقرأت أشعارا حول هذا الفصل الجائر الذي يفصل الضفة الغربية ، واصفة التشتت الفلسطيني عبر أنحاء العالم ،ومن ضمنهم أفراد عائلتها و الذين أصبحت لهم جميعا لغات متعددة بتعدد الشتات في البلدان ، بأنه يعطيها قوة في نحت الكتابة ن مخاطبة مواطنها الفلسطيني حيثما وجد في العالم ومهما كانت اللغة التي يتكلمها : "أينما كنت ، سأجدك دائما ، مهما كانت اللغة التي تتكلمها" . لذا فصفة" الأمريكي "التي تلصق بالأدب الذي ينتجه الأدباء في أمريكا لايتلون بالضرورة بملامح الحياة الأمريكية .
إنه حضور الذات والهوية ومعايشة مرارة مفارقة الوطن على بعد آلاف الأميال .
وتحدثت الكاتبة ليلى العلمي ، وهي مغربية مقيمة بأمريكا ، عن رؤية الآخر /الغرب للمرأة العربية ، وعن انتظاراتة لما ستكتب ، والذي غالبا ما يتمحور حول علاقة المرأة بالرجل العربي ،على أساس سرد عنف هذا الرجل اتجاهها وسلطويته ، وتعصبه .وهي صورة يشكلها ويبنيها الغرب في ذهنه بشكل سيئ ، دون أن يكلف نفسه المجيء إلى المغرب لمعرفة باقي أطراف الصورة ، والتي ليست كلها قاتمة على أية حال "هذا ما ينتظره الأمريكي مني ، أن أقول له كم أنا معنفة من طرف رجال عرب شريرين ....إنهم يستغربون عندما نبين لهم التنوع الكبير الحاصل في ثقافتنا وهويتنا العربية" وتتفق كل من ليلى العلمي ونتالي حنظل حول سوء معرفة الغرب بالعالم العربي ، بل إنهم يعارضون هذه الأحاسيس التي تشعر بها الكاتبات العربيات اتجاه أوطانهن. ولم تخف ليلى العلمي استنكارها للنظرة التي من خلالها يتعامل النقاد مع الإصدارات الأدبية للكاتبات ،خصوصا تلك التي تصدر عن نيويورك تايم ، وصحف أخرى حيث يتعرض الإبداع التي تنتجه المرأة لحملة هجومية عنيفة .
وكانت آخر رواية أصدرتها ليلى العلمي تحمل عنوان:
“ Hope and other dangerous pursuits “
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)

